بقلم : سلسبيل حمد
هناك صمتٌ لا يشبه العجز، ولا يحمل معنى الهروب من المواجهة. صمتٌ يأتي بعد تفكير طويل، حين يدرك الإنسان أن بعض الكلام، مهما كان صحيحًا، قد يتحول إلى أذى، وأن بعض الردود لا تستحق أن تُقال لمجرد أننا نستطيع قولها.
في زمن أصبحت فيه سرعة الرد فضيلةً عند البعض أصبح التمهّل نوعًا من المقاومة. كل شيء يدفعنا إلى التعليق والتبرير والدفاع عن أنفسنا، وإثبات أننا نعرف ونفهم ونملك الرد المناسب. لكن الإنسان لا يُقاس دائمًا بما يستطيع قوله، وإنما أحيانًا بما يملك من قوة تمنعه من قول ما لا ينبغي.
الصمت هنا ليس فراغًا، بل مساحة للتفكير.
قد يصمت شخص لأنه لا يريد أن يحكم على موقف وهو غاضب، وقد يصمت آخر لأنه يعرف أن الحقيقة التي يريد قولها ستكسر قلبًا لا يحتاج إلى مزيد من الكسور. وقد يختار إنسان الصمت أمام إساءة، ليس لأنه لم يجد ردًا وإنما لأنه لا يريد أن يصبح شبيهًا بمن أساء إليه.
وهنا يتحول الصمت من مجرد غيابٍ للكلام إلى موقفٍ أخلاقي.
لكن الصمت ليس فضيلةً في كل الحالات. فهناك صمتٌ يشارك في الظلم، وصمتٌ يخفي الحقيقة، وصمتٌ يمنح المخطئ شعورًا بأنه فوق المحاسبة. لذلك، ليست قيمة الصمت في كونه صمتًا، وإنما في السبب الذي يقف خلفه.
هناك فرق كبير بين أن تصمت لأنك لا تملك شيئًا تقوله وأن تصمت لأنك فكرت فيما يمكن أن يترتب على كلامك.
الإنسان الناضج لا يتعامل مع الكلام باعتباره حقًا يجب استخدامه في كل لحظة. يعرف أن للكلمات ثمنًا، وأن بعضها إذا خرج لا يمكن إعادته إلى مكانه، مهما اعتذرنا بعد ذلك.
وفي العلاقات الإنسانية تحديدًا، قد يكون الصمت أحيانًا أكثر صدقًا من نقاش طويل. حين يتكرر سوء الفهم وتتحول كل محاولة للتوضيح إلى معركة جديدة، يصبح الانسحاب من الجدال نوعًا من الحفاظ على ما تبقى من الاحترام.
ليس معنى ذلك أن ندفن مشاعرنا أو نهرب من المواجهة بالعكس، هناك مواقف تحتاج إلى كلمة واضحة، وحدٍّ لا يحتمل التأجيل، ورفضٍ لا يحتاج إلى اعتذار.
لكن الحكمة أن نعرف متى نتكلم، ومتى نترك للصمت أن يقول ما عجزت الكلمات عن قوله، دون أن يجرح أحدًا.
ربما لهذا لا يكون الصمت دائمًا علامةً على أن الإنسان لا يملك جوابًا.
أحيانًا يكون الصمت هو الجواب الذي اختاره شخص يعرف جيدًا ماذا يستطيع أن يقول، لكنه اختار ألّا يقول كل ما يستطيع.
الصمت أحيانًا موقفٌ فكريّ وملاذٌ أخلاقيّ.. حين يصبح الكلام أقل قيمة من الامتناع عنه.
