بقلم : مروة محمد عبد المنعم
ماذا نريد بالتحديد من نائب البرلمان؟
حين تتحول خدمة الدائرة إلى تهمة، من حقنا أن نسأل: ماذا نريد من نائب البرلمان؟
في الآونة الأخيرة، تعرضت إحدى النائبات بالبرلمان المصري لهجوم وانتقادات بدعوى أنها تهتم بأهل دائرتها وحسب، وكأن اهتمام النائب بأبناء دائرته أصبح في حد ذاته أمرًا يستوجب اللوم!
لكن قبل أن نحكم على أداء أي نائب، ربما نحتاج إلى التوقف قليلًا أمام سؤال أكثر أهمية:
هل وظيفة عضو مجلس النواب هي إنارة شوارع القرى وحل مشكلات الخدمات اليومية، ومتابعة المرافق والحالات الحرجة بالمستشفيات الحكومية؟ أم أن له دورًا دستوريًا وتشريعيًا ورقابيًا مختلفًا؟
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الجدل حول أداء النواب يرجع إلى الخلط بين أدوار المؤسسات المختلفة، خصوصًا بين مجلس النواب والمجالس المحلية.
إذن، ما دور النائب؟ وهل يمثل دائرة واحدة أم أمة كاملة؟
يحدد الدستور المصري لمجلس النواب اختصاصات أساسية، في مقدمتها التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة للدولة، إلى جانب ممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية.
وبناءً على ما تقدم، فإن عضو مجلس النواب عندما يدخل البرلمان لا يصبح مسؤولًا إداريًا عن قرية أو مركز أو شارع، وإنما يصبح جزءًا من سلطة تشريعية ورقابية على مستوى الدولة.
ومن هنا، فإن تقييم النائب لا ينبغي أن يكون فقط بعدد أعمدة الإنارة التي تم تركيبها في قريته، أو بعدد طلبات الرصف والصرف الصحي التي استطاع متابعتها، لأن هذا يرتبط بصورة أساسية باختصاصات الإدارة المحلية وأجهزتها.
هنا تظهر أهمية المجالس المحلية
ترتبط المجالس المحلية بصورة أكبر بالإدارة المحلية واحتياجات الوحدات المحلية والخدمات والتنمية على المستوى المحلي.
وهذا ما يجب أن يعرفه جموع المواطنين:
النائب البرلماني يشرّع ويراقب ويحاسب على مستوى الدولة، بينما الإدارة المحلية والمجالس المحلية يرتبط عملها بصورة أكبر بإدارة الشأن المحلي والخدمات والتنمية داخل نطاقها.
وهذا لا يعني أن النائب لا يهتم بمشكلات أبناء دائرته.
على العكس، من الطبيعي أن يستمع النائب إلى المواطنين، وأن ينقل مشكلاتهم إلى الجهات التنفيذية وأن يتابع ما يمكن متابعته من قضاياهم، وأن يدافع عن مصالح دائرته داخل الإطار القانوني والدستوري.
لكن الفارق أن متابعة مشكلة مواطن ليست هي الوظيفة الأصلية للنائب، وإنما إحدى صور تواصله مع أبناء دائرته وممارسته لدوره الرقابي والسياسي.
لماذا لا يجب أن نعاقب النائب لأنه يخدم قريته؟
إذا كانت النائبة تتواصل مع أبناء قريتها، وتستمع إلى مشكلاتهم، وتسعى إلى إيصالها للجهات المختصة، فهذه ليست جريمة سياسية ولا عيبًا في حد ذاتها.
بل إن النائب الذي ينقطع تمامًا عن دائرته قد يُسأل أيضًا:
أين التواصل مع المواطنين الذين منحوه ثقتهم؟
المشكلة تبدأ فقط عندما يتحول الاهتمام بالدائرة إلى تمييز بين المواطنين، أو إلى اعتقاد بأن النائب مسؤول عن خدمة فئة دون أخرى، أو أن دوره البرلماني يقتصر على إنهاء الطلبات الفردية.
وهنا يكون النقد في محله.
أما أن نقول إن النائب أخطأ لمجرد أنه اهتم بأهل دائرته فهذا يحتاج إلى إعادة نظر.
النائب عن دائرته.. لكنه ليس نائبًا لأهل دائرته فقط
فالقانون الذي يصوت عليه النائب لا يُطبَّق على أبناء قريته فقط، والموازنة التي يناقشها لا تخص مركزه وحده، والرقابة على الحكومة لا تتوقف عند حدود دائرته الانتخابية.
ولهذا فإن النائب الحقيقي يجمع بين أمرين:
قريب من الناس في دائرته، ومهموم بقضايا الدولة كلها.
لا نحول البرلمان إلى مجلس خدمات
من أكبر الأخطاء أن نقيس النائب البرلماني بمنطق:
"ماذا فعل للشارع؟" فقط.
لأننا بذلك نحوله تدريجيًا من نائب تشريعي ورقابي إلى ما يشبه عضو مجلس محلي.
وهذا لا يقلل من أهمية الخدمات المحلية، وإنما يضع كل مؤسسة أمام اختصاصها الطبيعي.
المواطن يحتاج إلى طريق جيد، ومياه نظيفة، وصرف صحي، وإنارة، ومدرسة ومستشفى وخدمات عامة.
لكن توفير هذه الخدمات يحتاج إلى أجهزة تنفيذية وإدارة محلية، وموازنات، وخطط تنمية.
فلنحاسب النائب.. ولكن بالمعيار الصحيح
النقد حق أصيل للمواطن، والنائب شخصية عامة ومن حق الناس تقييم أدائه.
لكن التقييم العادل يجب أن يسأل:
- هل حضر جلسات المجلس وشارك بفاعلية؟
- هل ساهم في مناقشة التشريعات؟
- هل استخدم أدواته الرقابية؟
- هل دافع عن قضايا المواطنين؟
- هل كان لديه موقف واضح من القضايا التي تمس المجتمع؟
- هل نقل مشكلات دائرته إلى البرلمان والجهات التنفيذية؟
- هل مارس دوره بما يحقق الصالح العام؟
هذه أسئلة أكثر عدلًا من سؤال واحد فقط:
"عمل إيه لأهل دائرته؟"
فالنائب الذي يستمع إلى أبناء دائرته، وينقل صوتهم، ويسعى إلى حل مشكلاتهم في إطار القانون، لا ينبغي أن يُلام على ذلك، وإنما ينبغي أن يُحاسب على مدى التزامه بدوره البرلماني وقدرته على الجمع بين خدمة دائرته وخدمة الوطن.
فالسياسة ليست أن نطلب من النائب أن يختار بين دائرته ومصر.
السياسة الحقيقية أن يكون ابنًا لدائرته.. ونائبًا عن الوطن كله.
وإذا كنا نريد برلمانًا قويًا، فعلينا أولًا أن نفهم ونفرّق بين التشريع والرقابة من جهة، والإدارة المحلية والخدمات التنفيذية من جهة أخرى.
عندها فقط نستطيع أن نحاسب كل مسؤول على مدى تقصيره في أداء مهام واختصاصه الحقيقي، لا على اختصاص مؤسسة أخرى.
