بقلم: سلسبيل حمد
لم تعد المواجهات العسكرية في المنطقة مجرد أخبار تتصدر العناوين، بل أصبحت مصدر قلق حقيقي على استقرار الشعوب ومستقبلها، خصوصًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية واليمن، وما تحمله من مخاطر اتساع رقعة المواجهة.
في هذا التوقيت، جاءت دعوة الأزهر الشريف إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة تضم ممثلين عن الدول العربية والإسلامية، لتضع أمام المنطقة مسؤولية البحث عن مخرج سياسي قبل أن تتسع دائرة الصراع وتزداد كلفته الإنسانية والاقتصادية.
أهمية الدعوة لا تكمن في تشكيل لجنة جديدة فحسب، بل في محاولة نقل الأزمة من مسار المواجهة إلى مساحة يمكن فيها التفاوض. فالحروب قد تبدأ بقرارات سياسية أو حسابات عسكرية، لكن آثارها لا تتوقف عند حدود أصحاب القرار؛ إذ يتحمل المدنيون جانبًا كبيرًا من تبعاتها، من الخوف وفقدان الأمان إلى اضطراب الحياة اليومية وتراجع فرص التنمية.
وتزداد خطورة التصعيد حين تتشابك المصالح الإقليمية، ويصبح كل تحرك عسكري سببًا محتملًا لرد جديد. عندها لا يعود احتواء الأزمة مهمة طرف واحد، بل يصبح مسؤولية جماعية تتطلب اتصالات جادة، ومواقف واضحة، واستعدادًا حقيقيًا لتقديم الحلول السياسية على منطق القوة.
ومن هنا، فإن دعوة الأزهر تحتاج إلى ما هو أبعد من الترحيب بها؛ تحتاج إلى تحرك عربي وإسلامي يحدد أطراف الوساطة وآليات عملها، ويفتح قنوات اتصال فعالة، ويضع حماية المدنيين ووقف التصعيد في مقدمة الأولويات.
ولا يعني السعي إلى التهدئة تجاهل الخلافات أو التنازل عن الحقوق، بل يعني البحث عن وسائل تمنع تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء، وتستنزف موارد المنطقة التي تحتاج إليها شعوبها في التعليم والصحة والتنمية.
إن اختبار هذه المبادرة الحقيقي سيكون في قدرتها على الانتقال من الدعوة إلى الفعل، ومن إعلان النوايا إلى خطوات ملموسة على الأرض. فالمنطقة لا ينقصها إدراك خطورة الحروب، وإنما تحتاج إلى إرادة قادرة على منع استمرارها وتوسّعها.
حين تتقدم لغة السلاح، تصبح الوساطة ضرورة سياسية وإنسانية؛ لأن حماية الشعوب ليست تفصيلًا يأتي بعد انتهاء الحرب، بل مسؤولية يجب أن تبدأ قبل فوات الأوان.
