كتب: د. ضياء الرفاعي – لايف كوتش وأخصائي تطوير الذات
سؤال قد يبدو غريبًا بعض الشيء… لكنه يستحق أن يُطرح.
هل أصبح من المألوف أن نرى بعض سائقي التوك توك أو الموتوسيكلات، خصوصًا غير المرخصين، يتعاملون مع الطريق وكأنه مساحة خاصة بهم؟
لأنك أحيانًا، وأنت تسير في الشارع، تشعر وكأن هناك دورة تدريبية غير معلنة بعنوان:
«فن القيادة بطريقة تثير الآخرين»!
المحاضرة الأولى: كيف تسير عكس الاتجاه؟
المحاضرة الثانية: كيف تتعامل مع ملاحظات الآخرين بطريقة غير لائقة؟
المحاضرة الثالثة: كيف تستفز سائق السيارة رغم أنك المخطئ؟
المحاضرة الرابعة: كيف تقود وسط الزحام وكأن الطريق ملك لك وحدك؟
والجزء العملي يبدأ فورًا!
تجد شخصًا يسير عكس الاتجاه، فتقول له بهدوء:
– يا أستاذ، أنت تسير عكس الاتجاه.
فيرد:
– وما المشكلة؟
فتقول:
– بهذه الطريقة قد تعرض نفسك والآخرين للخطر.
فتأتي الإجابة بطريقة لا تتناسب إطلاقًا مع حجم المشكلة.
وهنا تكتشف أننا أمام مشكلة أكبر من مجرد مخالفة مرورية؛ إنها مشكلة في طريقة التعامل مع الآخرين.
والأغرب أنك إذا حاولت أن تناقشه بهدوء، قد تجد مجموعة من الأشخاص تدخل في النقاش، وكأنك ارتكبت خطأ لمجرد أنك طلبت الالتزام بقواعد الطريق!
لكن لنكن منصفين…
التوك توك ليس هو المشكلة.
فالتوك توك وسيلة نقل، والموتوسيكل وسيلة نقل، ولا توجد مركبة في العالم تشترط طبيعة استخدامها أن يكون قائدها غير ملتزم أو غير متعاون مع الآخرين.
المشكلة الحقيقية تكمن في السلوك وطريقة التعامل مع الطريق.
شاب صغير قد يقود دون تدريب كافٍ، أو دون معرفة حقيقية بقواعد المرور، وربما يكون قد تعلم القيادة من صديق أو قريب.
فيتعلم كيفية تحريك المركبة، لكنه لا يتعلم بالضرورة أهم شيء:
كيف يتحمل مسؤولية القيادة؟
قد يقود بسرعة، أو يسير عكس الاتجاه، أو لا ينتبه للمشاة، أو يتجاوز السيارات بطريقة خطرة.
وعندما يلفت شخص نظره إلى خطئه، بدلًا من الاعتذار أو تصحيح الموقف، قد يتعامل معه بعصبية.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد مخالفة مرورية…
بل تصبح قضية وعي وسلوك ومسؤولية.
هناك فرق كبير بين الجرأة والفوضى.
فالقيادة السريعة وسط الزحام، أو السير عكس الاتجاه، أو تجاوز السيارات بطريقة خطرة، لا تعني أن السائق أكثر مهارة.
إنها ببساطة سلوكيات قد تعرض حياة السائق والآخرين للخطر.
كما أن رفع الصوت أو الدخول في مشادات مع الآخرين عند التنبيه إلى خطأ مروري، لا يعكس القوة، بل يعكس الحاجة إلى مزيد من الوعي بثقافة الحوار واحترام الآخرين.
والأخطر أن الطفل أو الشاب الذي يرى هذه السلوكيات بصورة متكررة قد يكوّن أفكارًا خاطئة، مثل أن:
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لماذا يتكرر هذا المشهد؟
قد يكون أحد الأسباب هو دخول بعض صغار السن إلى عالم القيادة دون تدريب مناسب أو وعي كافٍ بمسؤولية قيادة مركبة على الطريق.
وقد يتعلم البعض القيادة من الأصدقاء أو الأقارب، فيتعلم منهم العادات الإيجابية والسلبية معًا.
فإذا كان من يعلّمه القيادة يقول له:
«تحرك بسرعة… لا تهتم بمن حولك… لا تسمح لأحد بأن يعترض طريقك»،
فقد تتحول القيادة تدريجيًا من مهارة تحتاج إلى الانضباط والمسؤولية إلى وسيلة لإثبات الذات.
وأحيانًا تشعر أن بعض المركبات لها شخصية مستقلة!
أنوار قوية، واستخدام متكرر لآلة التنبيه، وسرعة غير مناسبة، وتحركات مفاجئة، وسير في الاتجاه الخاطئ، وفوق كل ذلك سائق يتعامل مع الموقف وكأن الآخرين هم الذين أخطأوا!
فتسأل نفسك:
هل أنا الذي أخطأت… أم أن قواعد المرور هي التي تغيرت؟
الرسالة في النهاية
ليس كل سائق توك توك متهورًا، وليس كل شاب يقود موتوسيكل غير ملتزم.
هناك الكثير من الشباب المحترمين والملتزمين الذين يقودون بصورة مسؤولة ويحترمون قواعد المرور وحقوق الآخرين.
لكننا نحتاج إلى أن نتوقف عن اعتبار الفوضى نوعًا من المهارة، وأن نعيد تعريف مفاهيم القوة والرجولة والجدعنة.
الجدعنة ليست في مخالفة الاتجاه.
والقوة ليست في تجاهل حقوق الآخرين.
والشجاعة ليست في المخاطرة بالحياة.
القوة الحقيقية هي أن تعرف حقوقك، وتحترم حقوق الآخرين، وتلتزم بالقواعد التي تحمي الجميع.
وفي النهاية، نحن لا نحتاج فقط إلى سائق يعرف كيف يحرك المركبة، بل نحتاج إلى إنسان يعرف كيف يتحرك في الحياة.
وربما نحتاج بالفعل إلى مادة جديدة في مدارس تعليم القيادة بعنوان:
«فن القيادة الهادئة واحترام الآخرين»
بدلًا من أن نصل يومًا إلى دورة:
«القيادة تحت الضغط… من استخدام آلة التنبيه إلى المشادة المرورية»!

