كتب: د. عبد الرحيم ريحان
قدم الأستاذ حيدر الياسري محاضرة علمية متخصصة بعنوان "السلالات الأبوية Y-DNA بين زيف الادعاء وحقائق الإحصاء"، وذلك ضمن سلسلة محاضرات ملتقى علماء وطلاب الآثار العرب. استعرض اللقاء الأسس العلمية لعلم الجينوم السكاني وطرق توظيفه السليمة، بعيداً عن الاستخدامات غير العلمية المسخرة لخدمة الهوية والتفاخر بالأنساب.
المنهج العلمي والتفكير النقدي
شدد الياسري خلال المحاضرة على ضرورة الالتزام بالمنهج العلمي الرصين، المتمثل في الملاحظة، وصياغة الفرضيات، وإجراء التجربة، وصولاً إلى الاستنتاج الإحصائي. وفي السياق ذاته، حذر من الوقوع في فخ "مغالطة قناص تكساس"، والتي يعمد فيها البعض إلى تطويع النتائج الجينية لتتطابق مع ادعاءات مسبقة، مؤكداً أن العقل العربي يمتلك كفاءة تحليلية عالية متى ما تم توجيهه نحو التفكير النقدي بعيداً عن أساليب التلقين.
أنواع الفحوصات الوراثية
وقدّم المحاضر شرحاً مبسطاً للفروق الجوهرية بين الفحوصات الوراثية الرئيسية، وهي:
- الأوتوسومال (Autosomal DNA): يغطي المادة الوراثية الموروثة مناصفة من الأب والأم، ويُستخدم لتحديد الأصول القومية والتقارب الجيني العام.
- الكروموسوم الذكري (Y-DNA): ينتقل حصرياً من الأب إلى الابن، ممثلاً "ساعة بيولوجية" تتيح تتبع الخطوط الأبوية المباشرة عبر آلاف السنين عبر تتبع الطفرات المتراكمة.
- الميتوكوندريا (mtDNA): ينتقل من الأم إلى أبنائها ذكوراً وإناثاً دون مشاركة الأب، ولكنه لا يمتلك نفس دقة الساعة البيولوجية الخاصة بالكروموسوم الذكري.
تفكيك المفاهيم الخاطئة
تناول اللقاء أبرز المفاهيم المغلوطة وشائعة الاستخدام، موضحاً الفرق الدقيق بين "عمر التحور" (تاريخ التفرع) و"الجد الجامع" (زمن أقدم سلف مشترك). كما نبه إلى أن الكروموسوم الذكري لا علاقة له بتحديد الصفات المظهرية الخارجية كالشكل أو لون البشرة؛ إذ ترتبط تلك الصفات بالجينوم الكامل (الأوتوسوم) لا بخط أبوي فردي.
نقد ادعاءات السلالات
وفي محور رئيسي، فند الياسري بالأدلة الإحصائية والعلمية الادعاءات التي تصنف السلالات البشرية إلى "نبيلة" وغير ذلك. وأوضح أن انتشار تحور جيني في رقعة جغرافية معينة لا يعني حتمًا أنه "أصل" تلك الأرض، بل قد يعود لهجرات وتوسعات سكانية تُعرف بـ "أثر المؤسس". كما استشهد بدراسات أكاديمية بارزة (مثل دراسة لازاريديس 2016) التي ربطت بين فروع جينية والحضارة النطوفية، مشدداً على أن الشعوب السامية تكونت نتيجة تداخل عدة فروع جينية وليست سلالة واحدة منحصرة.
خاتمة إنسانية
اختتم المحاضر بالتأكيد على أن علم الجينات يُعد أداة بحثية مكتشفة لتاريخ البشرية، ومسارات الهجرات، وتطور الحضارات، وليس أداة لتأجيج الصراعات أو منح صكوك الهوية. ولفت إلى أن نجاح الباحث في هذا المجال يستوجب التواضع أمام البيانات الإحصائية وإدراك أن السلف المشترك للبشرية يمتد لآلاف السنين، مما يجمع الجميع في إطار إنساني واحد ومترابط.
