كتب: د. عبد الرحيم ريحان
في إنجاز أثري جديد يعزز مكانة مصر الحضارية، نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بمنطقة آثار "بئر الشغالة" بالواحات الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، في الكشف عن مقبرة هرمية الشكل مشيدة من الطوب اللبن تعود إلى العصر الروماني. خُصصت المقبرة لدفن رجل وزوجته، وتتميز بتخطيطها المعماري الفريد ونقوشها ونصوصها الجنائزية النادرة التي تسلط الضوء على تداخل الثقافات في تلك الحقبة.
الشكل الهرمي.. رمزية الخلود والتطور المعماري
اختار قدماء المصريين الشكل الهرمي لمقابر الملوك باعتباره رمزاً دينياً وفلسفياً يعبر عن نشأة الكون والخلود؛ اعتقاداً بأن الكون بدأ ببروز تلٍ أسطوري من المياه الأزلية، وارتبط الهرم بالإله "رع" (إله الشمس) لتعمل أضلاعه المائلة كأشعة شمس منبطحة تساعد روح المتوفى على الصعود للسماء. وتطورت العمارة الجنائزية من الحفر البسيطة، مروراً بالمصطبة، وصولاً إلى الهرم المدرج لـ"زوسر" بفضل المعماري "إيمحتب"، حتى بلغ الشكل الهرمي كاملاً وملساً في أهرامات الجيزة.
المقابر الهرمية الرومانية.. امتزاج الحضارات
تميزت عمارة المقابر الهرمية في العصر الروماني بالمزج بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية؛ إذ اتسمت غالباً بنمط متعدد الطبقات يضم طابقاً سفلياً لحجرات الدفن، ويعلوه طابق علوي يمثل مزاراً (صالة) جنائزياً يتوج بالشكل الهرمي، مع وجود أفنية مكشوفة وسلالم ومذابح لإقامة الطقوس.
وتفضي التخطيطات الداخلية بصالة أمامية ذات سقف مقبى إلى حجرات دفن تحوي توابيت حجرية أو فخارية. وزُينت الجدران والأسقف بمناظر مستمدة من كتاب "الإيمي دوات"، بجانب عناصر فنية يونانية ورومانية، ونصوص هيروغليفية، ولوحات وشاهد جنائزية تحمل قصائد رثاء باليونانية القديمة، وتعد مقابر "تونا الجبل" وبئر الشغالة أبرز نماذجها.
«الإيمي دوات».. رحلة العالم الآخر
يُعد كتاب «الإيمي دوات» (أو "ما هو كائن في العالم الآخر" / "كتاب الحجرة الخفية") أحد أهم النصوص الجنائزية، حيث يصف رحلة إله الشمس (رع) خلال ساعات الليل الاثنتي عشرة ومواجهته لقوى الشر والعقبات في العالم السفلي (الدوات) ليتجدد شبابه مع الشروق.
وظل هذا الكتاب مقصوراً على المقابر الملكية (مثل مقابر تحتمس الأول، حتشبسوت، تحتمس الثالث، أمنحتب الثانى، وتوت عنخ آمون) لفترات طويلة كحق ملكي حصري، قبل أن يمتد استخدامه تدريجياً لكبار الموظفين في العصور المتأخرة، ثم للكهنة والأفراد على برديات أو توابيت.
مدينة «مُوثِيس» التاريخية
تُعد مدينة "مُوثِيس" القديمة هي نفسها مدينة "مُوط" الحالية وعاصمة مركز الداخلة بالوادي الجديد. وقد اشتُق اسمها القديم من الإلهة "مُوت" (زوجة الإله آمون، وتعني "الأم"). وفي العصرين البطلمي والروماني، أصبحت العاصمة الإدارية للواحة، وتحولت في القرن الرابع الميلادي إلى مدينة كبرى ذات مجلس تشريعي وإداري خاص، وتعرف أطلالها اليوم محلياً باسم "موط الخراب".
لوحة شرف البعثة:
- رئيس البعثة: أ. مجدي إبراهيم محمد (مدير عام آثار الداخلة والفرافرة).
- الأعضاء: أ. حسني محمد بشندي، أ. أمل علي أحمد، أ. إيمان جبريل محمود، أ. هبة محمود جاويش، أ. سحر حسين جمعة.
- فريق الترميم: أ. عزاز نصر محمد، أ. أسماء فهمى، أ. زينب جمال الدين أحمد خضر، أ. إسلام فارس.
- الأمن وإدارة العمال: محمد محمود محمد، محمد عبد السلام مدبولي.
- تحت إشراف: أ. محمد إبراهيم أحمد (مدير عام الآثار المصرية بالوادي الجديد)، ود. سامي الدرديري (رئيس الإدارة المركزية لآثار مصر الوسطى).
وتتقدم "حملة الدفاع عن الحضارة المصرية" بخالص الشكر والتقدير للأستاذ محمد عبد البديع (رئيس قطاع الآثار المصرية) والدكتور هشام الليثي (الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار) على هذه الإنجازات والاكتشافات غير المسبوقة، متمنين نشرها بالدوريات العلمية وإصدار كتاب خاص يوثقها ليكون مرجعاً للباحثين والإعلاميين وعشاق الحضارة المصرية.


