بقلم : الأستاذة الدكتورة سمية محمد تحلب
استشاري ورئيس قسم الأطفال
هناك رجال، لا يكون حضورهم في الدنيا مجرد وجود، بل يكون حضورهم هيبة، وكلمتهم ميزانًا، ووجودهم أمانًا يسري في أرجاء البيت كنسمة طيبة.
وحين ترحل هذه القامات، لا يظلم البيت وحده، بل نشعر وكأن العالم كله قد اختلّ ميزانه.
فالأب، حين يكون قامة وقيمة ورجل موقف، لا يكون مجرد أب، بل يكون السقف الذي يحمينا من قسوة الأيام والسند الذي نستند إليه، والتاريخ الذي نمشي به بين الناس مرفوعي الرأس.
الأب العظيم هو الرجل الذي قضى عمره يصون الأمانة ويرسّخ الحق، ويزن الأمور بميزان العدل والحكمة؛ الرجل الذي علّمنا أن الكرامة لا تتجزأ، وأن المبدأ ليس للبيع، وأن العزة إرث يسري في العروق.
هو ذلك الإنسان الذي ترى في عينيه الرقة والحنان لأهل بيته، وفي وقفته الهيبة والوقار، فتشعر بقيمته قبل أن ينطق بكلمة.
وسيرته العطرة لا تكون مجرد ذكريات، بل تظل حماية وسندًا، وبابًا مفتوحًا من الخير، وتاجًا مرصعًا بالشرف والنزاهة نحمله على رؤوسنا طوال العمر.
وقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته وإعلاء شأنهما، فقال جل جلاله:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[الإسراء: 23]
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم برّ الأب ورضاه من أعظم أبواب الخير والفلاح فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«الأَبُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ٠ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ
أَوِ احْفَظْهُ».
[رواه الترمذي وابن ماجه]
ويظل الأب بابًا عظيمًا من أبواب الخير، وظلًا ممتدًا نحتمي به، وقد أمرنا الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين والدعاء لهما، فقال:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
[الإسراء: 24]
كل حرف علّمنا إياه، وكل كلمة حق قالها، وكل شيبة ظهرت في رأسه، كانت ثمنًا لرفعتنا وحمايتنا، وشاهدًا على عمرٍ قضاه في سبيل أسرته وأبنائه.
الأب صاحب المقام الرفيع والمبادئ الثابتة لا يموت حقًا؛ فهو يظل حيًّا في كل قيمة زرعها، وفي كل أثر طيب تركه، وفي كل كلمة حق علّمها، وفي كل دعوة طاهرة تصعد إلى السماء مترحمة على روحٍ كانت للحق عنوانًا ولأهل بيتها ملاذًا وسكنًا.
رحم الله أبانا صاحب الهيبة والمقام، وجعل سيرته العطرة نورًا يتلألأ في صحيفته وجعل ما تركه من أثر طيب شاهدًا له لا عليه، وأسكنه أعلى جنات النعيم وجمعنا به في مستقر رحمته.
فبعض الآباء ترحل أجسادهم لكن هيبتهم وقيمهم وآثارهم الطيبة تظل حيّة فينا ما حيينا.
