في أوقات الأزمات والاضطرابات، لا تُقاس الوطنية بكثرة الشعارات، ولا بارتفاع نبرة الصوت، وإنما تظهر في المواقف، وفي القدرة على التمييز بين النقد المسؤول ومحاولات هدم الثقة، وبين نقل المعلومة والتحول إلى أداة لنشر الشائعة.
قد يختلف المواطن مع سياسات حكومته، وقد ينتقد قرارًا أو يطالب بالإصلاح، وهذا حق أصيل ومشروع ، ما دام يتم في إطار الاحترام والقانون والمعلومة الموثقة.
ولكن الخطورة تبدأ عندما تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة لتداول أخبار مجهولة المصدر، وأرقام غير دقيقة، ومقاطع قديمة يجري تقديمها على أنها أحداث وقعت للتو، أو روايات لا تستند إلى أي دليل.
إذا لم تستطع أن تدافع عن بلدك، فعلى الأقل لا تشارك في هدمها.
فالكلمة مسؤولية، والمنشور مسؤولية، وإعادة نشر خبر غير موثوق ليست مجرد ضغطة زر ؛ فقد تثير الخوف، أو تشوه صورة مؤسسات، أو تضر بالاقتصاد، أو تخلق حالة من البلبلة في وقت تحتاج فيه الدولة والمجتمع إلى الوعي والهدوء.
وليس المقصود بالدفاع عن الوطن أن نغلق أعيننا عن الأخطاء أو نرفض النقد ، على العكس تماما ؛ فالنقد البناء ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم، وكشف أوجه القصور عبر الطرق المشروعة يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح. ، لكن الفارق كبير بين النقد الذي يبحث عن الحل، والشائعة التي تبحث عن الفوضى.
وفي عصر السرعة الرقمية، أصبحت الشائعة قادرة على الانتشار في دقائق، بينما قد تحتاج الحقيقة إلى ساعات أو أيام حتى تصل إلى الناس ؛ ولهذا فإن المواطن الواعي أصبح جزءًا من منظومة حماية المجتمع، بمجرد أن يسأل قبل أن ينشر:
من أين جاءت المعلومة؟
هل مصدرها موثوق؟
هل هناك جهة رسمية أعلنتها؟
هل الصورة أو الفيديو حديث فعلًا؟
وهل إعادة نشرها ستفيد الناس أم ستزيد حالة الارتباك؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع انتشار آلاف الشائعات.
الوطن ليس حكومة فقط، وليس مؤسسة أو شخصًا بعينه ؛ الوطن هو الأرض والناس والتاريخ والمستقبل.
ومن حق كل مواطن أن يختلف، وأن ينتقد، وأن يطالب بالأفضل، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الخلاف إلى تشويه، أو الغضب إلى شائعة، أو وسائل التواصل إلى منصة لنشر معلومات مجهولة قد تلحق الضرر بالمجتمع.
لا تكن جنديًا في معركة لا تعرف من أشعلها، ولا تجعل حسابك على مواقع التواصل منصة مجانية لمن يريد إرباك الناس الطيبين في وطنك.
دافع عن وطنك بالحقيقة، وبالعقل، وبالوعي، وبالكلمة المسؤولة. وإذا لم تكن قادرًا على تقديم معلومة موثقة أو موقف إيجابي، فإن الصمت أحيانًا يكون أكثر وطنية من إعادة نشر خبر
لا تعرف مصدره.
وفي النهاية، ستبقى الحقيقة هي خط الدفاع الأول عن أي مجتمع.
فإذا لم تستطع أن تكون لبنة في بناء وطنك، فلا تكن معولًا لهدمه.. وتذكر دائمًا:
الشائعة قد تبدأ بمنشور، لكنها قد تنتهي بأزمة.
أما الوعي.. فقد يبدأ بكلمة، وينتهي بحماية وطن.
