بقلم : المستشار عصمت العيادي
تحدثنا في المقال السابق عن ماهية الانضباط، وذكرنا بعضًا من مظاهره في الشارع المصري، ولكن ذلك ربما كان أضعفها أثرًا على المجتمع، فنحن نلمس هذه الظاهرة في أغلب مناحي حياتنا، بدايةً من الأسرة، ثم المدرسة ويليها الجامعة.
وهنا نتوقف لنسأل: كيف تكون أخلاق وتعليم هذا الخريج؟ وكيف تكون طبيعة أدائه للعمل؟ وهو في ذلك ليس وحيدًا، بل ضمن منظومة تتكون من مجموعة من الأفراد؛ بعضهم صالح وبعضهم سيئ.
ولا شك أن السُّنّة التي تجري عليها الحياة هي أن السيئ ربما يفسد العمل كله، وليس بعضه، وهذا هو حال الأفراد إلا من رحم ربي. وربما نجد أيضًا من الأفراد من يركن إلى تقليد كل السيئ من التصرفات، استظرافًا منه أو ارتياحًا إليها.
فماذا يمكن أن يحدث إذا انتقل هذا الإهمال والعبث إلى القطاع الصحي؟ مع احترامي وتقديري الكامل لهذا القطاع العظيم، وأنا أضرب به مجرد مثل لأهميته القصوى في حياتنا، فهو القطاع الذي يتعامل مع صحة الإنسان ويعالج المرضى.
ولا تظنوا استحالة حدوث ذلك، فالنار تنشأ من مستصغر الشرر.
إن الإهمال في مجتمعنا كاد أن يتحول إلى ظاهرة تفتك بالجميع، مع أنه لا يغيب عن أبصارنا وجود نماذج غاية في الجِدّ والاهتمام بالعمل.
لكن الظاهر في الحياة، وفي معظم المجتمعات تقريبًا، أنه عندما يغيب الانضباط عن كثير من أفراد المجتمع، فإن تصرفات هذه الفئة السيئة هي التي تكون أكثر ظهورًا وبروزًا في المجتمع.
والسبب الرئيسي لضعف الانضباط هو قلة الوعي العام بصوره المتعددة.
ولا شك في أن فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر شهدت سعيًا من جانب الاحتلال إلى تغييب وعي الناس، حتى يسهل إخضاعهم واحتلالهم، ولا يكون لديهم تفكير في التحرر من هذا الاحتلال. وهذا ما اتبعته إنجلترا في عدد من الدول التي احتلتها، ومنها الهند والصين، وذلك بأساليب متعددة ومعروفة، ولا مجال للخوض فيها هنا في هذا المقال.
نريد، يا سادة، أن يكون لدينا المئات من الفطاحل من أبناء مصر، ومن رموز القوى الناعمة في الأدب والشعر والفنون والصحافة والإعلام، وكذلك العلماء، داخل أرض الوطن وليس خارجه، ينيرون سماءنا وسماء العالم وهكذا في جميع مناحي الحياة.
إن مكافحة قلة الوعي تحتاج منا إلى تعاون قوي ومتكامل بين المسجد والمدرسة والجامعة والصحافة والإعلام، حتى تسترد مصر مكانتها الطبيعية بين دول العالم، وهي المكانة التي تستحقها.
فلا يكفي أن نتغنى بأمجاد الأجداد، بل يجب أن تكون لنا أمجادنا الخاصة، وأن نصنع حاضرنا ومستقبلنا بأيدينا.
اللهم أعز مصر قيادةً وشعبًا.
