recent
أخبار ساخنة

حين يُباع «السلام الدائم» في سوق الأوهام السياسية.. سلام على الورق.. وحرب على الواقع

 



حين يُباع «السلام الدائم» في سوق الأوهام السياسية.. 


 بقلم : سمير الدسوقي

تخرج علينا التصريحات السياسية والإعلامية بين الفينة والأخرى، لتبهرنا ببراعتها في إعادة تدوير المصطلحات وتزيين المفارقات الساخرة؛ حيث يطلّ المظهر الأنيق وبدلات «الدبلوماسية الناعمة» للحديث بنبرة واثقة عن «سلام دائم» تسعى سوريا إلى تحقيقه مع إسرائيل.

وكأن الأزمات المشتعلة، والحقوق المتنازع عليها والسيادة، ومخاوف الأمن والاستقرار، مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها بمجرد إطلاق التصريحات أمام عدسات الكاميرات، وكأن الكلمات وحدها قادرة على صناعة واقع جديد فوق الأرض.

إنها مفارقة لافتة أن نسمع حديثًا متكررًا عن البحث عن «السلام الدائم»، بينما تظل المنطقة محاطة بأزمات أمنية وسياسية معقدة، وتستمر المخاوف من التصعيد وتداعياته على شعوب المنطقة واستقرار دولها.

وهنا يفرض السؤال نفسه: عن أي «سلام دائم» نتحدث؟

هل هو سلام يقوم على تفاهمات حقيقية ومتوازنة تحفظ الحقوق والسيادة وتضمن الأمن لجميع الأطراف؟ أم هو مجرد سلام على الورق، تصاغ بنوده داخل الغرف المغلقة، بينما يبقى الواقع الميداني والسياسي بعيدًا عن الشعارات التي تُرفع أمام الرأي العام؟

فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يكون مجرد مصطلح دبلوماسي أنيق، ولا اتفاقًا احتفاليًا تُلتقط حوله الصور ثم تنتهي القصة. السلام المستدام يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وضمانات واضحة، واحترام للسيادة والتزام متبادل، ومعالجة جذور الصراع بدل الاكتفاء بإدارة أزماته.

ويبدو أن لعبة المصطلحات السياسية أصبحت في بعض الأحيان قادرة على إعادة تقديم التنازلات باعتبارها إنجازات، وتحويل الأزمات إلى فرص للتسويق السياسي وإلباس القرارات الصعبة ثوب «الواقعية» و«الحلول الدبلوماسية».

لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن السلام لا يُبنى بالعبارات وحدها، ولا يستمر بالوعود وحدها؛ وإنما تُقاس جديته بما يحدث على الأرض، وبمدى احترام الاتفاقات وبقدرتها على منع تجدد الصراع وحماية المدنيين وترسيخ الاستقرار.

فالسلام الذي يُبنى على تجاهل الحقوق أو إغفال مخاوف الشعوب أو تجاوز قضايا السيادة، يظل عرضة للاهتزاز مهما كانت قوة الكلمات التي صيغ بها.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

 هل أصبحت المعادلة هي التسابق نحو تقديم التنازلات تحت شعار «السلام الدائم»؟ أم أن المطلوب هو سلام حقيقي يحفظ الكرامة والسيادة ويضع حدًا لدائرة الصراع؟

إن الفرق كبير بين سلام ينهي الحرب وسلام ينهي أسباب الحرب.

والتاريخ، في النهاية، لا يسجل العبارات الرنانة وحدها بل يسجل ما جرى على الأرض، ومن حافظ على حقوق شعبه، ومن استطاع أن يحوّل الاتفاقات إلى استقرار حقيقي، ومن اكتفى بتوقيع الأوراق وترك الأزمات مفتوحة على احتمالات جديدة.

ولذلك فإن السلام الذي يستحق وصف «الدائم» ليس سلام الخضوع، ولا سلام الأمر الواقع، ولا سلام المؤتمرات والصور، وإنما سلام يقوم على قواعد واضحة واحترام متبادل، وضمانات حقيقية، وسيادة مصونة وحقوق لا تتحول إلى مجرد بنود هامشية في اتفاقات قابلة للتأويل.

أما الشعوب، فقد تختلف في مواقفها وتقديراتها، لكنها في النهاية تنظر إلى النتائج لا إلى العناوين؛ فحين تتطابق الأقوال مع الأفعال، يصبح السلام مشروعًا قابلًا للحياة، وحين تتناقض الكلمات مع الواقع، تتحول عبارة «السلام الدائم» إلى مجرد شعار جميل في سوق السياسة.

فالسلام الحقيقي لا يُباع في سوق الأوهام السياسية

 ولا يُقاس بعدد البيانات والتصريحات، وإنما بما يتركه على الأرض من أمن واستقرار وحقوق مصونة وكرامة محفوظة.

google-playkhamsatmostaqltradentX