بقلم: د. حازم حلمي إبراهيم
دكتوراه الفلسفة في الاقتصاد - جامعة القاهرة، وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع
في الوقت الذي يشهد فيه العالم اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة، تكتب السياحة المصرية فصلًا جديدًا من فصول النجاح والتحدي، لتثبت أن المقومات الحضارية والطبيعية لمصر قادرة على تحويل أصعب الظروف إلى فرص تنموية حقيقية.
فقد أعلنت وزارة السياحة والآثار أن مصر استقبلت 15 مليون سائح خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2026 بنسبة نمو بلغت 25% عن نفس الفترة من العام الماضي، وهو ما يضعنا على أعتاب تحقيق الرقم التاريخي المتمثل في 18 مليون سائح بنهاية العام.
هذا الإنجاز لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة للدولة المصرية، تتجسد في عدة محاور رئيسية:
أولاً: الأمان والاستقرار.. أساس الجذب السياحي
أشاد صندوق النقد الدولي في بيانه الأخير بقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن مصر تتمتع اليوم بمركز اقتصادي كلي أقوى بفضل مرونة سعر الصرف وسرعة استجابة السياسات الاقتصادية.
وهذه الشهادة الدولية تُتَرجم على أرض الواقع في قطاع السياحة، حيث يبحث السائح العالمي عن الأمان والاستقرار قبل أي شيء آخر؛ ومصر استطاعت أن تقدم نفسها كواحة أمان في منطقة مضطربة، وهو ما جعلها الوجهة البديلة الأولى للسائح الذي كان يخطط لزيارة مقاصد أخرى تأثرت بالأحداث الجارية.
ثانيًا: استثمارات الدولة صنعت تجربة سياحية عالمية
ما يشهده قطاع السياحة اليوم من تطور كبير يعود بشكل أساسي إلى حجم الاستثمارات التي ضختها الدولة في البنية التحتية خلال السنوات الماضية:
- شبكة الطرق القومية الجديدة: قللت زمن الرحلة من القاهرة إلى الساحل الشمالي والبحر الأحمر إلى النصف.
- المطارات الدولية الحديثة: مطارات سفنكس والعاصمة والعلمين والغردقة وشرم الشيخ أصبحت تستقبل ملايين السياح بسهولة وكفاءة.
- المشروعات الكبرى: ساهمت مشروعات تطوير هضبة الأهرامات، وتشغيل المتحف المصري الكبير، وإحياء مسار العائلة المقدسة، في تقديم منتج سياحي متطور يواكب أحدث المعايير العالمية.
ثالثًا: مليارات الدولارات تدعم الاحتياطي الأجنبي
لا يمكن فصل نجاح السياحة عن استقرار الاقتصاد الكلي؛ فإيرادات السياحة التي تقدر بأكثر من 11 مليار دولار خلال التسعة أشهر، ساهمت بشكل مباشر في دعم الاحتياطي الأجنبي الذي سجل 53.1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخه.
كما تزامن هذا النجاح مع نمو إيرادات قناة السويس بنسبة 33.8% في الربع الثالث من العام المالي 2025/2026 بعد فترة من التراجع، ومع ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج إلى مستويات قياسية بلغت 29.7 مليار دولار. هذه الأرقام الثلاثة معًا شكلت شبكة أمان قوية للاقتصاد المصري مكنته من الحفاظ على معدل نمو قوي بلغ 5.1% في الربع الثالث رغم كل التحديات الإقليمية.
رابعًا: السياحة مصدر رزق لملايين الأسر المصرية
قيمة السياحة الحقيقية لا تكمن فقط في توفير العملة الصعبة، بل في كونها باب رزق مفتوح لملايين المصريين. فكل سائح يدخل مصر يحرك معه سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية؛ من الفندق والمطعم إلى وسائل النقل والصناعات الحرفية.
ولذلك فإن وصول عدد العاملين المرتبطين بالسياحة إلى أكثر من 3 ملايين مواطن يعكس كيف أن انتعاش السياحة يعني انتعاشًا مباشرًا لحركة البيع والشراء في الأسواق، وزيادة في دخل الأسر، خاصة في محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء والأقصر وأسوان.
خامسًا: مصر تملك ما لا يملكه غيرها
تمتلك مصر ميزة تنافسية فريدة تجمع بين سياحة الآثار التي لا مثيل لها في العالم، وسياحة الشواطئ الخلابة على البحرين الأحمر والمتوسط، وسياحة المؤتمرات والاستشفاء. وهذا التنوع يجعلها قادرة على استقبال السائح طوال العام، وليس في موسم محدد، مما يضمن استدامة الإيرادات واستقرار فرص العمل.
ختاماً
إن ما تحقق في قطاع السياحة خلال عام 2026 هو دليل عملي على أن التخطيط السليم والاستثمار في البنية التحتية والتركيز على عنصر الأمان يمكن أن يحول التحديات إلى إنجازات.
لقد نجحت مصر في تحويل أزمة المنطقة إلى فرصة ذهبية، واستطاعت أن تثبت للعالم أنها قادرة على استقبال الجميع بترحاب وأمان. ومع استمرار الدولة في تنفيذ خطتها الطموحة للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030، فإن قطاع السياحة مرشح لأن يكون القاطرة الحقيقية للنمو الاقتصادي ومصدرًا مُستدامًا للنقد الأجنبي.
إنها قصة نجاح مصرية خالصة تؤكد أن مصر عندما تخطط وتنفذ.. تستطيع أن تبهر العالم.
