recent
أخبار ساخنة

هل ألقى المصريون القدماء فتاة احتفالًا بوفاء النيل

 



كتب د. عبد الرحيم ريحان


يحتفل المصريون بعيد وفاء النيل في 15 أغسطس من كل عام تقديرًا لعطاء النهر الخالد وشريان الحياة الذي قامت على ضفافه الحضارة المصرية عبر آلاف السنين حيث ترتبط هذه المناسبة بذكراه في وجدان المصريين وموسم الفيضان والخير


عمره سبعة آلاف عام


الاحتفال بوفاء النيل (منذ نحو سبعة آلاف عام) مع فجر الحضارة المصرية القديمة واستقرار المصريين على ضفاف النهر تزامنًا مع بداية موسم الفيضان في شهر أغسطس وهو التوقيت التقليدي لوصول مياه الفيضان المحملة بالطمي وقدّس المصريون النيل واعتبروه إلهًا للخصوبة والنماء أسموه "حابي" وقدموا له القرابين والذبائح يشكرونه على العطاء.


تمثلت طقوس الاحتفال بعيد وفاء النيل في مصر القديمة فى إقامة الاحتفالات الكبرى على ضفاف النهر ابتهاجًا بموسم الفيضان (فصل آخت) وإقامة الصلوات وتقديم الهدايا والقرابين الزراعية والحيوانية لضمان زيادة منسوب المياه وانتشار الرخاء علاوة على مراسيم الشكر والعرفان المتمثلة فى خروج مواكب رسمية وشعبية ضخمة يتقدمها الكهنة وربط موعد الفيضان ببداية التقويم أو رأس السنة الزراعية الجديدة



عروسة النيل


ارتبط سمك الأطوم (عروس البحر) بالاحتفالات التاريخية لنهر النيل في مصر القديمة وكان المصريون يقدمونه كقربان رمزي لإله النيل "حابي" شكرًا على الفيضان والخير وتمثلت مظاهر الاحتفال فى تزيين سمكة الأطوم بألوان زاهية وعقود من الزهور والورد، ومن طقوس الإلقاء تماشيًا مع معتقداتهم كانوا يلقون بها في مياه النيل تبركًا وفرحة بارتفاع منسوب المياه كما تضمنت الاحتفالات أيضًا إلقاء الزهور والخضروات والفاكهة في النهر


وينفى إلقاء فتاة مزينة كقربان للإله لأن الحضارة المصرية القديمة لم تعرف التضحية البشرية وأن الأمر لم يعدو كونها طقوسًا رمزية وكان يتم إلقاء دمية من الخشب أو الطين وما صورته السينماعن إلقاء عروس النيل وإلقاء أجمل البنات في النيل كقربان مثل الفيلم الشهير (عروسة النيل ) فلا يوجد دليل أثرى واحد يؤيد وجود عادة إلقاء فتاة بنهر النيل ولو كان موجودًا فالفعل لذكر ضمن مراسم جميع الأعياد المصرية القديمة.


موروث شعبى أصيل


استمر المصريين بالاحتفال بوفاء النيل إلى يومنا هذا رغم بناء السد العالى وتغير طبيعة وشكل فيضان النيل الذى تحول من فيضان مدمر إلى تدفقات مائية منتظمة يتم التحكم بها وتخزينها في بحيرة ناصر باعتباره جزءًا لا يتجزأ من  الهوية المصرية وموروث شعبى أصيل وأصبح الاحتفال بعيد وفاء النيل يجمع بين التعبير عن الهوية المصرية العميقة والارتباط بالوجدان الحضاري متجاوزًا بكثير كونَه مجرد موروث شعبي عابر أو احتفال بفيضان مادي فلم يكن النيل يومًا مجرد ماء للجغرافيا بل هو الكيان الذي صاغ عقول وطباع وتاريخ أبناء الوادي منذ آلاف السنين لذا فنحن فى امتنان مستمر لعطاء النيل  باعتباره صانع الحياة ومصدر البقاء الأبدي، وبعد بناء السد العالى تحول الاحتفال من ترقب خوف الفيضان المدمر إلى احتفاء رمزي بدور الإنسان فى الحفاظ على المياه وعلاقة المودة المتبادلة بين الشعب ونهره


كشف منابع النيل


كان للمصرى القديم الدور الأكبر فى كشف منابع النيل نتيجة الاتصال ما بين مصر القديمة وبلاد كوش ويام وبونت وتوغلوا في النوبة والسودان وظهر رحّالة ومستكشفون في الأسرة السادسة معظمهم من أمراء أسوان جنوبي مصر حيث نظم حاكم الجنوب "حرخوف" أربع حملات استكشافية إلى أفريقيا بناء على أوامر من الملكين "مر-إن-رع" و"بيبي الثاني" ٢٢٠٠ قبل الميلاد وحرص "حرخوف" على تسجيل وقائع رحلاته في مقبرته في أسوان.


واستخدت مياه النيل  للتطهر من أجل الطقوس الدينية وغسل المتوفى وكانت عملية الاغتسال بماء النيل علاوة على المعنى الملموس للنظافة تمثل رمزًا لطهارة النفس روحيًا من كل شائبة والتى استمرت في الحضارة القبطية فيما بعد وأن الإله الخاص بالنيل هو (حعبي أو حابى ) و كان غالبًا يصور بشكل مزدوج في الهيئة و الجنس وكانت الفكرة من ذلك أن ماء النيل تعطى الحياة لكل من الذكر والأنثى.


النيل فى الفن القبطى


تجسّد نهر النيل بشكل فعلى ورمزى في الفن القبطى وقد رتبت الكنيسة صلوات اللقان في ثلاث مناسبات كنسية في عيد الغطاس المجيد وصلوات خميس العهد وصلوات عيد الرسل وفي هذه المناسبات يوضع اللقان وهو حوض ماء مملوء بمياه النيل ففي لقان عيد الغطاس يصلي الكاهن ويقول (نهر جيحون "أي النيل" أملأه من بركاتك ؛بارك اكليل السنة بصلاحك؛ يارب اسمعنا وارحمنا) وقد رتبت الكنيسة صلوات اللقان في ثلاث مناسبات كنسية هي عيد الغطاس المجيد وصلوات خميس العهد والمناسبة وصلوات عيد الرسل وفي هذه المناسبات الثلاث يوضع اللقان مملوءا بمياه النيل، بالإضافة إلى صلوات أسبوع الآلام "البصخة" فلا تنسى الكنيسة الوطن والأرض والنيل.


النيل فى العصر الإسلامى


أصبح لنهر النيل مكانة كبرى في العصر الإسلامي واهتم به حكام مصر للحفاظ على جريانه وضبطه بما يكفل لهم حياة آمنة فأقاموا السدود والجسور عندما كان يطغى ويزيد عن الحد الذي يكفل لهم حياة وزراعة آمنة وأنشأوا مقاييس للنيل أشهرها مقياس النيل بالروضة واحتفلوا الاحتفالات البهيجة الرائعة بمواسم فيضانه وأقاموا النظم لربط سنتهم الهجرية بالسنة الشمسية التي تسير عليها مواعيد فيضان النيل والزراعة ودعا الإسلام إلى الحفاظ على الأنهار ومنها نهر النيل فقد أجمع فقهاء المسلمون على أنه لا يجوز البناء على شاطئ النهر للسكنى ولا لغيرها إلا القناطر المحتاج إليها ولا يجوز التعدى على النهر.

google-playkhamsatmostaqltradentX