على من نطلق النار؟
بقلم : عماد الدين محمد
قبل أن نتحدث طويلًا عن منتحلي صفة الصحفي
وهل هذا الشخص عضو في النقابة أم لا، ومن يمارس العمل الصحفي دون عضوية نقابية، علينا أولًا أن نبحث عن أصل المشكلة، وأن نضع أقدامنا على أرض الواقع الذي تغيّر بصورة هائلة بفعل التطور التكنولوجي والرقمي.
فإذا كان من يمارسون العمل الصحفي ملتزمين بميثاق الشرف الصحفي ويحترمون قواعد المهنة، ويتحملون مسؤولية ما ينشرونه، فإن القضية الحقيقية لا ينبغي أن تختزل في سؤال واحد: هل هو عضو نقابي أم لا؟ بينما نترك جوهر المشكلة وأسباب الفوضى الإعلامية التي يعيشها المجتمع.
لقد تغيّرت الحياة، وتغيّرت معها طبيعة الإعلام.
فنحن اليوم أمام عصر جديد لم تعد فيه الصحيفة المصدر الوحيد للمعلومة، ولم تعد القناة التلفزيونية وحدها قادرة على صناعة الخبر، ولم يعد نقل الحدث حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية.
الهاتف أصبح كاميرا، وصفحة التواصل الاجتماعي أصبحت منبرًا، والحساب الشخصي أصبح مساحة إعلامية، وصحفية والبث المباشر أصبح قناة مفتوحة على مدار الساعة.
اليوم يستطيع أي شخص أن يكون حاضرًا في موقع الحدث، وأن يصوّر ما يحدث وينقله بالصوت والصورة إلى آلاف أو ملايين المتابعين خلال دقائق، بل خلال ثوانٍ.
وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي:
من هؤلاء؟ ولمن يعملون؟ وما مصادر معلوماتهم؟ وهل يتحملون مسؤولية ما ينشرونه؟ وهل يلتزمون بالقواعد المهنية والأخلاقية والقانونية؟
فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وليست في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في غياب الوعي والمسؤولية عن جزء من المحتوى المتداول.
فقد أصبحنا نرى يوميًا أخبارًا مجهولة المصدر، وشائعات وأكاذيب، ومعلومات مغلوطة، وتضليلًا للرأي العام واجتزاءً للحقائق، وتداولًا لمعلومات قبل التحقق منها.
ومع ذلك، يبدو أن البعض لا يزال منشغلًا بمعركة أخرى: من هو عضو النقابة؟ ومن ليس عضوًا؟ ومن ينتمي إلى نقابة أو كيان؟ ومن يختلف مع من؟
بينما تتسع في الخارج مساحة إعلامية جديدة فرضتها التكنولوجيا وتطبيقات التواصل والمنصات الرقمية.
إن تجاهل هذا التحول هو تجاهل للواقع نفسه.
لقد أصبح لكل شخص تقريبًا مساحة إعلامية خاصة به ينشر فيها ويعلّق ويصوّر ويبث ويتابع الأحداث ويحللها ويصل إلى الجمهور مباشرة دون المرور بالوسائل التقليدية.
وهذا لا يعني أن كل من يمتلك صفحة أصبح صحفيًا محترفًا، كما لا يعني أن كل من يحمل هاتفًا أصبح إعلاميًا بالمعنى المهني، لكنه يعني أن الواقع الإعلامي تغيّر، وأن مفهوم صناعة المعلومات وتداولها لم يعد كما كان قبل سنوات.
ومن هنا يجب أن نفرّق بوضوح بين ممارس للعمل الصحفي الذي يمارس المهنة فعلًا، ويحترم قواعدها ويتحرى الدقة، ويلتزم بميثاق الشرف، حتى وإن لم يكن عضوًا نقابيًا، وبين منتحل صفة الصحفي الذي يستخدم هذه الصفة لتحقيق منفعة شخصية، أو وجاهة اجتماعية، أو للنصب والاحتيال، أو ابتزاز الآخرين.
هذه نقطة جوهرية لا يجوز الخلط فيها.
فليس كل من يعمل في مجال الصحافة بالضرورة منتحلًا للصفة، كما أن عدم العضوية النقابية وحده لا ينبغي أن يكون معيارًا للحكم على طبيعة عمل الشخص أو نواياه.
وفي المقابل، يجب أن يكون انتحال الصفة والاحتيال والتضليل والإضرار بالآخرين ونشر الأكاذيب والشائعات محل مواجهة حقيقية وفق القانون والقواعد المهنية.
صناعة المحتوى أصبحت طرفًا في المشهد
لقد ظهرت قوة جديدة في المشهد الإعلامي لا يمكن تجاهلها، وهي صنّاع المحتوى وأصحاب الصفحات والمنصات الرقمية، الذين أصبح بعضهم أكثر سرعة في الوصول إلى الجمهور من الصحف التقليدية نفسها.
فبدلًا من الدخول في صراعات جانبية مع هؤلاء
أو تحويل المشهد إلى معركة بين الصحفيين وأصحاب صفحات التواصل الاجتماعي، يجب أن نفهم طبيعة التحول وأن ننافس بالمهنية والمصداقية وجودة المحتوى.
فالمنصات الرقمية أصبحت في كثير من الأحيان أسرع وسيلة للوصول إلى الجمهور، بينما أصبحت الصحافة مطالبة بتقديم ما لا يستطيع المحتوى السريع تقديمه: التحقق، والتحليل، والتفسير، والسياق، والمصداقية.
ومن هنا تظهر قيمة الصحفي الحقيقي والمؤسسة الإعلامية الجادة.
لقد انتهى زمن احتكار الصحافة للمعلومة، وبدأ زمن المنافسة على دقة المعلومة وسرعة الوصول إليها وعمق تحليلها ومصداقية مصدرها.
وإذا كانت الصحف التقليدية تعاني من تراجع التوزيع وأصبح القارئ يحصل على الخبر لحظة وقوعه عبر هاتفه، وأصبح المواطن قادرًا على تصوير الحدث ونقله فإن الحل ليس في محاربة بعضنا البعض، ولا في تصفية الحسابات، ولا في البحث عن صفة تمنح شخصًا سلطة على آخر.
الحل في تطوير الصحافة نفسها.
علينا أن ننتقل من صحافة نقل الخبر فقط إلى صحافة التحقق والتحليل والتفسير وصناعة المعرفة، وأن نستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية بدلًا من النظر إليها باعتبارها خصمًا للمهنة.
فالمستقبل لن ينتظر المؤسسات التي ترفض التطور، ولن يعود إلى الوراء من أجل الحفاظ على نماذج إعلامية تجاوزها الزمن.
المعركة الحقيقية
لذلك، أقول لكل من ينشغلون بالصراعات الداخلية، وبمن هو نقابي ومن ليس نقابيًا، وبمحاربة بعضهم البعض:
أفيقوا يرحمكم الله... نحن في عصر مختلف.
عصر الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والبث المباشر والمنصات الرقمية، وصحافة المواطن، وصحافة الهاتف والتواصل الفوري.
لا تحاربوا التطور، ولا تحاربوا كل من يمارس العمل الصحفي خارج الأطر التقليدية لمجرد أنه ليس عضوًا نقابيًا، وفي الوقت نفسه لا تتركوا الباب مفتوحًا أمام منتحلي الصفة والمحتالين ومروجي الشائعات.
فالصحافة مسؤولية وموهبة وممارسة ومعرفة وأخلاق والعضوية النقابية إطار مهني له أهميته، لكن حماية المجتمع من الفوضى الإعلامية تتطلب رؤية أوسع من مجرد العضوية.
إن المعركة الحقيقية ليست بين «نقابي» و«غير نقابي» وإنما بين الإعلام المهني والإعلام الفوضوي، بين الحقيقة والشائعة، بين التحقق والتضليل، وبين من يمارس العمل الصحفي بمسؤولية ومن يستخدم صفة الصحفي لتحقيق أهداف لا علاقة لها بالمهنة.
وهنا فقط يمكن أن نبدأ في إصلاح المشهد.
بدلًا من محاربة بعضنا البعض، فلنحارب الفوضى.
وبدلًا من حماية المصالح الشخصية، فلنحمِ المهنة.
وبدلًا من الوقوف أمام التطور، فلنكن نحن من يقود هذا التطور.
فمن لم يدرك أن العالم تغيّر، سيظل يحارب معارك الأمس، بينما المستقبل يُكتب الآن على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: على من نطلق النار؟
بل: كيف نحمي الصحافة من الفوضى، ونحمي المجتمع من التضليل، ونحافظ في الوقت نفسه على حق التطور في صناعة إعلام جديد؟

