recent
أخبار ساخنة

الدفاع عن الحضارة تطالب باقتصار الحديث عن الآثار في وسائل الإعلام على المتخصصين


 

كتب : د. عبد الرحيم ريحان

تلقى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، شكوى مقدمة من كلٍ من الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق وعالم الآثار المصري، والدكتور ممدوح الدماطي، وزير الآثار الأسبق وأستاذ الآثار المصرية بجامعة عين شمس، ضد الدكتور وسيم السيسي، أستاذ جراحة الكلى والمسالك البولية، بسبب الخلاف العلمي حول تصريحاته الإعلامية المتعلقة بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة، والتي أدلى بها خلال ظهوره في عدد من القنوات والبرامج بصفته "عالمًا وباحثًا في علم الآثار".


وقررت لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، إحالة الشكوى إلى وزارة السياحة والآثار والجهات العلمية المختصة لإبداء الرأي، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم (180) لسنة 2018، والأكواد المنظمة للعمل الإعلامي.



وفي ضوء ذلك، أعلنت حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان، تأييدها لهذه الشكوى، مشيرة إلى أن الدكتور وسيم السيسي، رغم عدم تخصصه في علم الآثار، يواصل طرح آراء غير علمية ثبت خطؤها، واعترف بنفسه ببعضها خلال مناظرة جمعته بالدكتور زاهي حواس والدكتور ممدوح الدماطي بقصر الأمير طاز، ومن بينها ادعاؤه بوجود "وادي ملوك" آخر، وهو ما وصفه الدكتور زاهي حواس بأنه "خزعبلات".


الأراجوز

انتقدت الحملة أيضًا ما ذكره الدكتور وسيم السيسي من أن كلمة "الأراجوز" تعود إلى قراقوش، وزير صلاح الدين الأيوبي، وأن المصريين ابتدعوا شخصية الأراجوز نكاية فيه، متهمًا صلاح الدين بظلم المصريين.


وأكدت الحملة أن هذا الطرح غير صحيح تاريخيًا، إذ تعود نشأة الأراجوز إلى العصر المملوكي، حيث ابتكره الشعب المصري ليكون وسيلة ساخرة للتعبير عن معاناته من السلطة الحاكمة، وأداة لنقل همومه وانتقاد الأوضاع الاجتماعية والسياسية.


وأشارت إلى أن الأراجوز سُجل على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2018 باعتباره عنصرًا من التراث الإنساني ذي القيمة العالمية الاستثنائية. ويُعد أحد أشكال مسرح الدمى التقليدي في مصر، ويعتمد على دمية يدوية تُعرف باسم "عروسة الأراجوز"، ومنها استمد هذا الفن اسمه.


وأضافت أن أصل التسمية يعود إلى الكلمتين التركيتين "قرة" و"قوز"، وتعنيان "أسود العين"، ثم تطور اللفظ مع مرور الزمن إلى "أراجوز". وأصبح لهذا الفن مسرح متنقل يجوب المدن والقرى، واستطاع أن يحظى بشعبية واسعة لما يتيحه من تفاعل مباشر مع الجمهور، الذي يشارك بالتصفيق وترديد الأغاني والحوار مع الأراجوز، الذي ظل لسنوات طويلة لسان حال المواطن المصري وبوقًا للشكوى والتنفيس عن همومه.


الكسوة الخارجية للهرم الأكبر

كما تناولت الحملة ما ذكره الدكتور وسيم السيسي من أن الكسوة الخارجية للهرم الأكبر نُزعت بواسطة بهاء الدين قراقوش، وزير صلاح الدين الأيوبي.


وأكدت أن هذا الادعاء غير صحيح علميًا، مستشهدة بما أورده الرحالة والمؤرخ الغربي "بودنسل"، الذي زار مصر في القرن الرابع عشر الميلادي، وشاهد بنفسه أحجار الكسوة التي أسقطها زلزال عام 1301م، وكانت لا تزال تحمل نقوشها وألوانها.


وأضافت أن بهاء الدين قراقوش تُوفي سنة 597هـ، أي في القرن الثاني عشر الميلادي، بينما وقع الزلزال بعد وفاته بأكثر من قرن، كما أن قلعة صلاح الدين بُنيت سنة 572هـ/1176م، أي قبل الزلزال الذي أدى إلى سقوط أحجار الكسوة، وهو ما ينفي تمامًا استخدام قراقوش لهذه الأحجار في بناء القلعة.


وأوضحت الحملة أن هذه الشهادة التاريخية تدحض ما أورده بعض المؤرخين العرب، ومنهم عبد اللطيف البغدادي، الذي نقل عنه الدكتور وسيم السيسي دون دراسة علمية دقيقة، رغم أن البغدادي نفسه وصف واجهات الهرم الأكبر، بعد وفاة قراقوش، بأنها كانت لا تزال مكسوة بأحجار ملساء تحمل نقوشًا وطلاسم.


ليلة القدر

وانتقدت الحملة كذلك ما ذكره الدكتور وسيم السيسي من وجود "ليلة قدر" لدى قدماء المصريين، وأن عبارة "يشيشلام ربه" تعني "القدر"، وأن المصريين القدماء كانوا يصومون ثلاثين يومًا.


وأكدت أن هذه المزاعم لا تستند إلى أي دليل أثري أو علمي، وأن الربط بين احتفالات مصر القديمة ومفهوم ليلة القدر في الإسلام بعيد تمامًا عن المعنى الصحيح للآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، والتي تؤكد أن ليلة القدر ارتبطت بنزول القرآن الكريم، وهي خصوصية إسلامية لم تكن موجودة قبل الإسلام.


واستشهدت الحملة بتفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي أوضح أن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الليلة المباركة لإنزال القرآن الكريم، وأن فضلها مستمد من هذا الحدث العظيم.


وفيما يتعلق بادعاء وجود صيام لمدة ثلاثين يومًا من الفجر حتى غروب الشمس في مصر القديمة، أوضح الدكتور ممدوح الدماطي أن كلمة "الصيام" في اللغة المصرية القديمة لم تكن تعني الامتناع عن الطعام والشراب كما في الإسلام، وإنما كانت تُستخدم بمعنى الامتناع في سياقات دنيوية أو طقسية، مثل الحداد على الإله أوزوريس أو لأغراض علاجية، مؤكدًا أنه لا توجد أي بردية أو نقش أثري يثبت وجود صيام ثلاثين يومًا على غرار شهر رمضان.


كما رفض الدكتور الدماطي الادعاء بوجود طقوس "حج" في مصر القديمة تشبه الحج الإسلامي، مؤكدًا أن هذا مجرد اجتهاد شخصي يفتقر إلى المنهج العلمي، إذ لا توجد نصوص أثرية تثبت وجود رحلة حج موسمية إلى مكان مقدس على غرار الكعبة، وإنما عرفت الحضارة المصرية القديمة احتفالات دينية وزيارات لبعض المعابد، مثل أعياد الأوبت وزيارات أبيدوس، وهي طقوس تختلف تمامًا عن مفهوم الحج في الإسلام.


مطالب الحملة

وبناءً على ما سبق، طالبت حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان، بقصر استضافة المتخصصين في علم الآثار عند تناول القضايا الأثرية في الفضائيات ووسائل الإعلام، وفي حال استضافة غير المتخصصين، يكون ذلك بحضور عالم آثار متخصص للرد على ما يطرح حتى لا تتحول الآراء الشخصية إلى حقائق راسخة في أذهان الجمهور.

كما طالبت بأن يمتد هذا التنظيم إلى كل ما يُنشر عبر شبكة المعلومات الدولية بشأن الحضارة المصرية، مؤكدة أن تشويه التاريخ وتزويره يمثلان اعتداءً مباشرًا على الحضارة المصرية.


ودعت الحملة أيضًا إلى إضافة مادة جديدة إلى قانون حماية الآثار رقم (117) لسنة 1983 وتعديلاته، تُجرّم تشويه التاريخ المصري وتزويره ونشر الخرافات والمعلومات المضللة باعتبارها صورة من صور الاعتداء على التراث الحضاري، على أن تكون العقوبات مماثلة لعقوبات التعدي المادي على الآثار مقترحة غرامة لا تقل عن مليون جنيه، وعقوبة السجن من سنة إلى ثلاث سنوات لكل من يروج معلومات تاريخية مغلوطة عبر وسائل الإعلام أو شبكة المعلومات الدولية.


وأشارت الحملة، في هذا السياق، إلى ما قدمته الإعلامية نهى حمزة في إحدى حلقاتها من ترويج لكتاب يزعم أن قدماء المصريين سرقوا حضارتهم من قوم عاد، مؤكدة أنها سبق أن انتقدت هذه الحلقة، وأن هناك العديد من النماذج المشابهة لغير المتخصصين الذين يتابعهم ملايين المشاهدين، الأمر الذي يسهم في تشويه التاريخ المصري ونشر معلومات غير موثقة.

google-playkhamsatmostaqltradentX