recent
أخبار ساخنة

الكاتب الصحفي والشاعر : عماد الدين محمد | يكتب | ثلاثية حنين (رحيل – ردُّ قلبي – تحتاج إليها)


 


ثلاثية حنين (رحيل – ردُّ قلبي – تحتاج إليها)

بقلم الكاتب الصحفي والشاعر : عماد الدين محمد


- مقدمة

ليست كل الحكايات تُروى، فبعضها يبقى عالقًا بين نبضة قلب، وذكرى تأبى الرحيل، وقطارٍ مضى دون أن يلتفت إلى من تركهم على رصيف الانتظار.


«ثلاثية حنين» ليست ثلاث قصائد فحسب، بل رحلة وجدانية تبدأ بالرحيل، وتعبر دروب الفقد والاشتياق، لتصل إلى محطة الانتظار، حيث يبقى الأمل متقدًا رغم قسوة الغياب.


في «رحيل» يلوّح القلب لآخر القطارات، لكنه يعجز عن توديع الانتظار.


وفي «ردُّ قلبي» يتحول الحنين إلى صرخة تستغيث بما تبقى من الروح، بحثًا عن نبضٍ أوشك أن يخبو.


أما «تحتاج إليها» فهي مرآة الإنسان حين يصارع كبرياءه أمام الحب، فيكتشف أن القلب لا يعترف إلا بمن اختار أن يسكنه.


ليست هذه النصوص دعوةً إلى الحزن، بل شهادة على أن الحب الصادق لا تقيسه المسافات، ولا تهزمه الأيام، وأن بعض الغائبين يظلون أكثر حضورًا من الحاضرين، مهما طال الغياب.


أولًا : رحيل


رحيل

غادر القطار

فلماذا لا يزال الانتظار؟

لعلّه اتخذ للرحيل قرارًا

ولن يعود

أو ربما يأتي ذات ليلة

حين يعمّ السكون

وتنام المدن

ولا يبقى سوى الحنين

طال حلمه

ولم يوقظه الشوق

بينما يحاصرني طيفه

كلما مرّت الذكريات

لكنني

سأظل أنتظر

لعل ما بيننا

يوقد نار الشوق من جديد

فيعود

ويتذكر عهدًا

ووعدًا

لم يكن يومًا عابرًا

لكن

كيف يعود

وقد باعدت بيننا المسافات

ورحل آخر قطار؟

فلماذا

لا يزال الانتظار؟


ثانيًا : ردُّ قلبي


ردُّ قلبي

ردَّ إليَّ قلبي

الذي رحل

يوم طال غيابكِ

ردَّ إليَّ روحي

فقد أضناها الوقوف

على مفترق الحياة

لم تعد بيدي حيلة

ولم يعد في وجهي

حياءٌ يمنع البوح

نعم

كرهت رحيلكِ

وسئمت غيابكِ

وعاتبت الأقدار

كلما مرّ اسمكِ بخاطري

كانت بيننا

أميالٌ قليلة

ثم صارت

جبالًا

وبحارًا

وخلجانًا

لا تعبرها الأمنيات

هبّت علينا

عاصفة الرحيل

فوجدت نفسي

خارج حدودكِ

أسيرًا لذكراكِ

وسجينًا لغيابكِ

ويبقى السؤال

من منا سيعود إلى الآخر؟

ومن منا يشتاق أكثر

وقد أغلقت بيننا

كل الطرق

وأوصدت الحدود؟

من منا

يموت في كل يوم

ألف مرة

دون جنازة

ودون صلاة

ودون وداع

لقد دفن غيابكِ

الحياة في قبرها المعتم

دون حساب

ولا جنة

ولا نار

لا أنا معكِ

ولا أنتِ معي

لكننا معًا

في جحيم الغياب

ردَّ إليَّ قلبي

وردَّ إليَّ روحي

قبل أن ينطفئ العمر

وتُطوى صفحاته

ولا يبقى منه

سوى ذكرى

أتعلمين؟

لقد سئمت الحياة دونكِ

حتى النبض

توقف عن الهمس

وداء غيابكِ

أعجز الأطباء

وأرهق الدواء

ردَّ إليَّ قلبي

وردَّ إليَّ روحي

قبل أن يسبقني الغياب

ويبتلعني الصمت

وأصبح مجرد حكاية

يرويها النسيان.


ثالثًا : تحتاج إليها


تحتاج إليها

أتحتاج إليها؟

نعم

فلماذا تكابر؟

ولماذا تخوض

بحور الشوق

وحيدًا

تصارع الموج العاتي

ثم ترسو

على شاطئ النسيان

بقاربٍ أنهكه الانتظار؟

هناك

يومض ضوءٌ خافت

من منارةٍ قديمة

تقاوم العتمة

وتترقب سفن العائدين

لعلها بينهم

لعلها تعود

وفي يدك

أوراقك

وقلمك المتعب

وبقايا صورها

التي لم تستطع الأيام

أن تمحو ملامحها

أما داخلك

فما زالت الذكريات

تعبث بالقلب

وتوقظ الحنين

ويبقى السؤال

هل ستعود حقًا؟

وبين حين وآخر

يمر العابرون

وينظرون إليك

في صمت

لكن أعينهم

تفضح السؤال

أما عادت حبيبته؟

أما زال ينتظرها؟

وأنت

لم تعد هنا

جسدك فقط

هو من بقي

أما روحك

وقلبك

وعقلك

فلا يزالون

يسكنون عالمها

وما زلت تنتظر

ويبقى السؤال الأخير

هل ستعود يومًا؟


خاتمة


وهكذا تنتهي «ثلاثية حنين» لكن الحنين لا ينتهي فالرحيل لم يكن نهاية الطريق، بل كان بداية رحلةٍ طويلةٍ مع الذاكرة رحلةٌ يظل فيها القلب واقفًا على رصيف العمر، يراقب القطارات العابرة، لعل أحدها يعيد وجهًا أحبَّه، أو صوتًا افتقده، أو حلمًا لم يكتمل.

في هذه الصفحات، لا ينتصر الغياب، ولا ينهزم الحب، بل يبقى الإنسان معلّقًا بين ما كان، وما يتمنى أن يكون.

قد يرحل الأشخاص، وتطول المسافات، وتغلق الأيام أبوابها، لكن الذكريات تظل نافذةً لا تعرف الإغلاق، يطل منها القلب كلما اشتد عليه الحنين.

ولعل أجمل ما في الحب، أنه لا يموت حين نفترق، بل يتحول إلى ضوءٍ خافتٍ يسكن أعماقنا، يقودنا كلما أرهقنا الظلام.

فإن عاد الغائب، عاد الربيع إلى الروح.

وإن لم يعد يكفي أنه مرَّ يومًا من هنا، وترك في القلب أثرًا لا تمحوه السنون.

 جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف © 2026

google-playkhamsatmostaqltradentX