recent
أخبار ساخنة

الدكتورة إيناس عمر الصاوي | تكتب ما وراء المشهد | الهوية تحت ضغط الخوارزميات وكيف يعيد العصر الرقمي تشكيل وعي الشباب؟

ما وراء المشهد : الهوية تحت ضغط الخوارزميات وكيف يعيد العصر الرقمي تشكيل وعي الشباب؟



  ما وراء المشهد 

بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي 

مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة 

لم يعد الشباب اليوم يعيشون في عالم واحد، بل في عالمين متوازيين؛ الأول واقعي تحكمه القوانين والعلاقات المباشرة، والثاني افتراضي تصنعه الخوارزميات وتديره الشاشات. 

وبين العالمين تتشكل أزمة جديدة لا تتعلق بالاقتصاد

 أو السياسة أو التعليم فحسب، بل تمتد إلى جوهر الإنسان ذاته: الهوية.


ففي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي نافذة مفتوحة على مليارات البشر، لم يعد السؤال الذي يشغل الشباب هو “كيف أعيش؟” فقط، بل “من أكون؟”

 وبين سيل الصور والمقاطع القصيرة والمؤثرين والترندات العالمية، باتت الهوية الشخصية والثقافية تواجه اختبارًا غير مسبوق.


لقد نجحت الثورة الرقمية في منح الشباب فرصًا هائلة للتعبير عن الذات واكتساب المعرفة وبناء العلاقات العابرة للحدود، لكنها في المقابل أوجدت بيئة تنافسية شرسة تقوم على المقارنة المستمرة والسعي الدائم إلى القبول الاجتماعي. 



وأصبح تقييم الذات لدى البعض مرتبطًا بعدد الإعجابات والمتابعين أكثر من ارتباطه بالإنجاز الحقيقي أو القيمة الإنسانية.


وتكمن خطورة المشهد في أن منصات التواصل لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تساهم في تشكيله وتوجيهه عبر خوارزميات معقدة تحدد ما نراه وما نفكر فيه وما نهتم به. 

وهكذا يتحول المستخدم تدريجيًا من متلقٍ للمعلومات إلى جزء من منظومة رقمية تعيد تشكيل وعيه واختياراته بصورة قد لا يدركها بالكامل.


وفي هذا السياق، يواجه الشباب حالة من التناقض المستمر؛ فهم مطالبون ببناء شخصية مستقلة، بينما يتعرضون يوميًا لضغوط هائلة تدفعهم إلى التشبه بالآخرين. 

وتصبح الهوية في كثير من الأحيان مشروعًا للتسويق الذاتي أكثر منها تعبيرًا حقيقيًا عن الذات.



كما أن الانفتاح الواسع على ثقافات متعددة، رغم إيجابياته الكبيرة، أدى لدى بعض الفئات إلى حالة من الارتباك الثقافي. 

فالشباب يتلقون أنماطًا مختلفة من القيم والسلوكيات والرؤى الفكرية، ما يجعلهم أحيانًا عالقين بين مرجعيات محلية تشكل جذورهم الثقافية، وتأثيرات عالمية تشكل طموحاتهم وتصوراتهم عن النجاح والحياة.


ولا يمكن إغفال التأثير النفسي لهذه التحولات. فالسعي إلى الكمال الرقمي، والخوف من التهميش الإلكتروني، والشعور الدائم بضرورة مواكبة الترند، كلها عوامل ساهمت في ارتفاع معدلات القلق والضغط النفسي بين الشباب في مختلف أنحاء العالم. ولم يعد التحدي هو الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على الحفاظ على التوازن النفسي وسط هذا التدفق الهائل من المؤثرات.


لكن الأزمة ليست حتمية. فالتكنولوجيا ليست عدوًا للهوية، بل أداة يمكن أن تكون وسيلة للبناء أو للهدم بحسب طريقة استخدامها. 

وهنا يبرز دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في تعزيز التفكير النقدي لدى الشباب وتمكينهم من التمييز بين التأثر الواعي والانسياق غير المدروس وراء ما تفرضه المنصات الرقمية.


إن بناء الهوية في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني الانغلاق على الذات أو رفض العالم، بل يتطلب القدرة على التفاعل مع المتغيرات العالمية مع الحفاظ على الثوابت الثقافية والقيم الإنسانية. 



فالهوية القوية ليست تلك التي تخشى الانفتاح، بل التي تمتلك من الثقة والوعي ما يجعلها قادرة على الانفتاح دون أن تفقد نفسها.


وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المجتمعات على إعداد جيل يجيد استخدام التكنولوجيا دون أن يصبح أسيرًا لها، جيل ينتمي إلى عصره دون أن يتخلى عن جذوره، ويواكب المستقبل دون أن يفقد ملامحه الخاصة.

 فالمعركة الأهم في العصر الرقمي ليست معركة الوصول إلى المعلومات، بل معركة الحفاظ على الإنسان ذاته وسط عالم تتسارع فيه التحولات بوتيرة غير مسبوقة.

google-playkhamsatmostaqltradentX