ما وراء المشهد : الاقتصاد غير الرسمي والشباب.. بين ضرورة البقاء وتحديات المستقبل
ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
عندما يصبح العمل خارج المنظومة خيارًا لا بديلًا عنه
في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، برز الاقتصاد غير الرسمي باعتباره أحد أبرز الظواهر المؤثرة في أسواق العمل، خاصة في الدول النامية. وفي مصر، أصبح هذا القطاع ملاذًا لملايين الشباب الباحثين عن فرصة عمل أو مصدر دخل سريع
في مواجهة تحديات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويمثل الاقتصاد غير الرسمي مجموعة الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، دون تسجيل رسمي أو تأمينات اجتماعية أو حماية قانونية للعاملين. ورغم ما يحمله هذا القطاع من مخاطر، فإنه أصبح أحد أهم مصادر التشغيل للشباب، خصوصًا في ظل الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
وتشير بيانات رسمية إلى أن العمالة غير الرسمية تمثل نسبة كبيرة من سوق العمل المصري، بينما تسجل الفئات العمرية الشابة النسبة الأعلى من العاملين في هذا القطاع، وهو ما يعكس اعتماد شريحة واسعة من الشباب عليه كوسيلة أساسية للحصول على الدخل.
لماذا يتجه الشباب إلى الاقتصاد غير الرسمي؟
تتعدد الأسباب التي تدفع الشباب نحو هذا القطاع، في مقدمتها صعوبة الحصول على وظائف رسمية مستقرة وارتفاع معدلات المنافسة في سوق العمل، بالإضافة إلى الرغبة في تحقيق دخل سريع دون إجراءات معقدة. كما ساهمت التطبيقات الرقمية ومنصات الخدمات والتوصيل والعمل الحر عبر الإنترنت في توسيع نطاق الاقتصاد غير الرسمي وخلق فرص جديدة للشباب.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت قطاعات مثل خدمات التوصيل وصيانة الهواتف والحاسب الآلي والتجارة الإلكترونية نموًا ملحوظًا، وأصبحت تستوعب أعدادًا متزايدة من الشباب الباحثين عن فرص عمل مرنة.
مكاسب مؤقتة.. ومخاطر طويلة الأجل
ورغم الدور المهم الذي يلعبه الاقتصاد غير الرسمي في الحد من البطالة وتوفير مصادر دخل سريعة، فإن الاعتماد عليه بشكل واسع يثير العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
فالعامل في هذا القطاع غالبًا ما يفتقد إلى التأمين الصحي والاجتماعي، ولا يتمتع بضمانات وظيفية
أو حقوق تقاعدية، كما يصبح أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية والأزمات المفاجئة. ويؤدي ذلك إلى خلق حالة من عدم الاستقرار المهني لدى شريحة كبيرة من الشباب.
ومن ناحية أخرى، تحرم الأنشطة غير الرسمية الدولة من جزء مهم من الإيرادات الضريبية، كما يصعب إدماجها في خطط التنمية الاقتصادية وقياس مساهمتها بدقة في الناتج المحلي الإجمالي.
من التحدي إلى الفرصة
لا يكمن الحل في محاربة الاقتصاد غير الرسمي
أو القضاء عليه، بل في تحويله تدريجيًا إلى اقتصاد منظم ومنتج. ويتطلب ذلك تبسيط إجراءات الترخيص وتقديم حوافز ضريبية للمشروعات الصغيرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتشجيع ريادة الأعمال بين الشباب.
كما أن الاستثمار في التدريب المهني والتكنولوجي أصبح ضرورة ملحة لتمكين الشباب من الانتقال من الأعمال المؤقتة منخفضة القيمة إلى وظائف أكثر استقرارًا وإنتاجية. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في توفير فرصة عمل فقط، وإنما في توفير عمل كريم ومستدام يضمن للشباب مستقبلًا أكثر أمانًا.
ختامًا
يبقى الاقتصاد غير الرسمي وجهًا مزدوجًا للواقع الاقتصادي؛ فهو من ناحية يوفر فرصًا حقيقية للعيش والعمل لملايين الشباب، ومن ناحية أخرى يكشف عن اختلالات هيكلية في سوق العمل تحتاج إلى معالجة جذرية. وبين هذين الوجهين، تظل مهمة الدولة والمجتمع هي تحويل طاقات الشباب من مجرد البحث عن مصدر رزق إلى قوة إنتاجية قادرة على قيادة التنمية وتحقيق النمو المستدام.







