recent
أخبار ساخنة

هبة السويدي : حين تنتصر الإرادة الإنسانية على الرماد وتصنع الحياة

وليد رزق
الصفحة الرئيسية

هبة السويدي : حين تنتصر الإرادة الإنسانية على الرماد وتصنع الحياة



كتبت - منى منصور السيد

في قلب المعاناة الإنسانية تولد أعظم قصص الأمل وتتحول الندوب الباقية على الأجساد والقلوب إلى جسور من نور يعبر بها المستضعفون نحو الحياة والاندماج مجددًا في نسيج المجتمع، وتتجلى هذه الحقيقة بأسمى معانيها في المسيرة الاستثنائية للدكتورة هبة السويدي مؤسسة ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى "أهل مصر" لعلاج الحروق وبناء الإنسان. فلم تكن تلك المسيرة مجرد فكرة وليدة اللحظة، بل بدأت كحلم طفولي قديم كبر في وجدانها وتغذى على ثقافة العطاء التي نشأت عليها، حتى تحول هذا الشغف المبكر بطب القلوب والأبدان إلى التزام حقيقي بقضية إنسانية وصحية بالغة المعمار والتعقيد والخطورة. لقد اختارت الدكتورة هبة السويدي أن تطرق بابًا مغلقًا طالما تهربت منه النظم الطبية الكبرى والمستشفيات الاستثمارية نظراً للتكلفة المادية الباهظة والجهد الطبي والتمريضي المضني الذي تتطلبه حالات الحروق، والتي تمثل في حقيقتها قضية أمن قومي واجتماعي تمس عصب المجتمع المصري وتستنزف آلاف الأرواح البريئة سنوياً.



وفي رحلتها لتأسيس هذا الصرح الطبي الشامخ، واجهت الدكتورة هبة السويدي تحديات جسامًا وعقبات متتالية إذ بدأت دراسة هذا الملف المنسي وتأسيس المؤسسة في عام 2013، لتدشن خطة معمارية وصحية لبناء أول مستشفى متخصص ومجاني بالكامل لعلاج الحروق في الوطن العربي وإفريقيا. وبالرغم من الظروف الاستثنائية القاسية التي مر بها العالم مثل جائحة كورونا وما تلاها من تحديات اقتصادية وتضخمية أدت إلى تباطؤ وتيرة العمل مؤقتاً، فإن الإصرار لم يعرف اليأس، وظل الأمل محركاً للبناء حتى افتتحت المستشفى أبوابها رسمياً في مارس من عام 2024 لتبدأ معركة إنقاذ حقيقية ومستمرة بين الحياة والموت. لقد نجح المستشفى منذ انطلاق تشغيله في معالجة وإنقاذ ما يزيد على ثلاثة عشر ألف مصاب، مسهماً في إحداث طفرة طبية غير مسبوقة رفعت نسب النجاة بين الحالات الحرجة في مصر من عشرين بالمئة إلى خمسة وسبعين بالمئة، وهو إنجاز علمي وإنساني يضاهي المستويات العالمية.




ولم يقتصر دور هذا الصرح على التدخل الجراحي الفوري والإنقاذ العاجل، بل امتد ليشمل مسارات متطورة لتقليل نسب الإعاقات الدائمة والتشوهات من خلال العلاج الطبيعي والتأهيلي المكثف والمنظم، توازياً مع برنامج متكامل للدعم النفسي مخصص للمصابين وذويهم على حد سواء لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع وتوعية البيئة المحيطة بتقبلهم، ومحاربة النظرات القاسية والتنمر الذي يواجهونه. إن العمل في مستشفى "أهل مصر" يدور في فلك الإنسانية الخالصة، حيث يرتكز على محاور العلاج والتوعية والوقاية في ربوع الجمهورية لتجنب السلوكيات الخاطئة ومصادر الخطر كالحرائق المنزلية ومحولات الكهرباء المكشوفة. ويتلقى الطاقم الطبي والتمريضي نفسه نصيباً من الدعم النفسي نظراً لطبيعة عملهم الحساسة وتواجدهم المستمر وسط تأوهات الضحايا وآلامهم، وتستمر المستشفى حالياً في خطتها التوسعية لاستكمال تشطيب أدوارها والوصول إلى طاقتها الاستيعابية القصوى البالغة مائتي سرير لتلبية الاحتياج المتزايد، وضمان ألا يوضع مريض حروق واحد على قوائم الانتظار، لأن الدقائق الست الأولى في حياة المصاب هي الفيصل الحقيقي بين نجاته أو فقدانه للحياة.



هذا العطاء المؤسسي الجارف والنجاح الإنساني الباهر لم يكن ليمر دون تقدير دولي رفيع، حيث توجت جهود الدكتورة هبة السويدي مؤخراً بتكريم عالمي استثنائي في مايو من عام 2026 من منظمة الصحة العالمية

 إذ كرمتها المنظمة بمنحها جائزة المدير العام لجمعية الصحة العالمية في دورتها التاسعة والسبعين بمدينة جنيف، تقديراً لمسيرتها الطويلة وإنجازاتها الرائدة في رعاية ضحايا الحروق وتوفير مظلة علاجية مجانية ومستدامة لهم. وقد حظي هذا التكريم باحتفاء رسمي وتنموي واسع في الداخل المصري، حيث تقدمت وزارة الصحة والسكان، والتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، والمجلس القومي للمرأة، بخالص التهنئة لها مؤكدين أن هذا الاعتراف الدولي يبرز الدكتورة هبة السويدي كرمز تاريخي للعطاء الإنساني، ويعكس المكانة المرموقة والقدرة الفائقة للمجتمع المدني المصري على صياغة حلول مستدامة وإحداث أثر تنموي وحضاري حقيقي يتجاوز الحدود المحلية، وينضم هذا التكريم إلى سجل حافل من الأوسمة والجوائز التي نالتها سابقاً، مثل جائزة الأم تريزا الدولية للسلام والمساواة والعدالة الاجتماعية في ديسمبر 2025، ووسام الأمير محمد بن فهد الدولي للعمل التطوعي، لتبقى سيرتها منارة مضيئة تلهم الأجيال في دروب البذل والتضامن البشري وتؤكد أن الإنسانية متى ما تسلحت بالإرادة قهرت المستحيل.

google-playkhamsatmostaqltradentX