recent
أخبار ساخنة

الكاتب عماد الدين محمد | يكتب | عندما سبقتنا الأمم

 عندما سبقتنا الأمم



بقلم : عماد الدين محمد

كنا يومًا أمةً تُعلِّم ولا تتعلَّم، تقود ولا تُقاد، تُصدِّر النور إلى العالم فيعود إليها تقديرًا وإجلالًا. 

كنا وكانت غيرنا، ثم أصبحوا اليوم حيث كنّا، وبقينا نحن نُعيد سرد أمجاد الماضي كأنها تعويضٌ عن عجز الحاضر.

"كنتم خير أمة أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، لم تكن مجرد آية تُتلى، بل كانت منهج حياة، وصيغة حضارية متكاملة صنعت أمةً امتد أثرها عبر القارات. 

كانت لدينا حضارة راسخة، وعلم متقدم، وثقافة أصيلة تسابقت الأمم للحاق بها والاستفادة منها.

أما اليوم، فقد تبدّل الحال، وأصبحنا كغثاء السيل؛ كثرة بلا تأثير، وضجيج بلا إنجاز. انشغلنا بما لا يُقدّم ولا يُؤخّر، فصرنا نسبق في المهرجانات الفنية والمسابقات الغنائية، بينما سبقتنا الأمم في ميادين الصناعة، وغزو الفضاء، وتكنولوجيا التسليح، وصناعة المستقبل.

لقد أدركت تلك الأمم قيمة العلم والعمل، فاستثمرت في العقول، وراهنت على البحث والتطوير، فحصدت التقدّم والقوة. 

أما نحن، فغرقنا في دوامة الاستهلاك، نستهلك ما يُنتج غيرنا، ونقلّد ما يُعرض علينا دون تمحيص أو وعي.

ولم يكن التأثير الثقافي أقل خطورة؛ فقد صدّروا إلينا، عبر أفلامهم ودراماهم، أسوأ ما لديهم، فالتقطناه بشغف وقلّدناه بلا تفكير، بينما يحتفظون لأنفسهم بقيم الانضباط والعمل والابتكار. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: نأخذ القشور ونترك الجوهر، ننبهر بالصورة ونغفل الحقيقة.

إن الأزمة ليست في قلة الإمكانيات، بل في غياب الرؤية وضعف الإرادة، وتراجع منظومة القيم التي كانت يومًا أساس نهضتنا. فالأمم لا تُقاس بما تملكه من موارد فقط بل بما تملكه من وعيٍ وقدرة على توظيف هذه الموارد في الاتجاه الصحيح.

ومع ذلك، فإن الأمل لم ينطفئ. 

فالأمة التي صنعت حضارةً بهذا الحجم، قادرة على أن تعود، إذا ما أعادت ترتيب أولوياتها، وأدركت أن طريق النهضة يبدأ من التعليم، ويمر عبر العمل الجاد، وينتهي ببناء إنسانٍ واعٍ يُدرك قيمة الزمن والعلم.

إن العودة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة الاعتراف، وصدق المواجهة، والعمل الحقيقي بعيدًا عن الشعارات. 

فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، ولا يكتب سطوره إلا لمن يملكون الإرادة لصناعته من جديد.

google-playkhamsatmostaqltradentX