recent
أخبار ساخنة

الكاتب عماد الدين محمد | يكتب | غثاء السيل … حين تتحول الأمة إلى ساحة صراع

 غثاء السيل … حين تتحول الأمة إلى ساحة صراع



بقلم : عماد الدين محمد

قال رسول الله صل الله عليه وسلم :

"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"

فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ؟

قال : "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن"

فقال قائل : وما الوهن يا رسول الله؟

قال : "حب الدنيا وكراهية الموت"

لم يكن هذا التحذير النبوي مجرد توصيف لحالة ضعف عابرة، بل كان قراءة استباقية لزمنٍ تختل فيه الموازين وتفقد فيه الأمة قدرتها على التأثير رغم كثرتها.

نحن اليوم أمام مشهد أكثر قسوة مما قد يتصوره العقل  لم يعد الخطر فقط في تكالب الأمم، بل في ما هو أخطر: تكالبنا نحن على بعضنا البعض. 

دول تتناحر، إعلام يحرّض، وشعوب تُغذّى على الكراهية بدل الوعي. 

أصبحنا نشاهد  دون مواربة حملات تشويه متبادلة وسخرية علنية، واتهامات لا تتوقف، وكأن العدو لم يعد خارج الحدود، بل صار يسكن داخلها.

لقد تحولت الخلافات السياسية إلى منصات للسباب والتجريح، لا بين الأفراد فقط، بل بين دولٍ يفترض أن يجمعها الدين والتاريخ والمصير. 

تُبَث الإهانات عبر الشاشات، وتُتداول عبر المنصات ويتلقفها الناس فيتحولون إلى أدوات صراع، يرددون ما يُقال دون وعي، ويشاركون في تعميق الجرح بدلاً من مداواته.

وهنا تتجلى صورة "غثاء السيل" بأبشع صورها ، كثرة بلا وحدة، صوت بلا تأثير، وغضب يُهدر في الاتجاه الخطأ. 

لم نعد نُهزم فقط من الخارج، بل نُستنزف من الداخل. طاقات تُهدر في النزاعات، وموارد تُستنزف في الخصومات، وعقول تُشغَل بمعارك وهمية، بينما يتقدم العالم من حولنا بثبات.

إن أخطر ما في هذا المشهد هو اعتياد الإهانة ، حين تصبح الإساءة أمرًا طبيعيًا، والاحترام استثناءً. 

حين يُنظر إلى الاختلاف على أنه عداوة، وإلى النقد على أنه خيانة. 

وهنا لا يعود الحديث عن ضعف عابر، بل عن خلل عميق في الوعي والسلوك.

لقد حذر النبي الكريم من "الوهن" وفسره بأنه حب الدنيا وكراهية الموت. 

لكن الوهن اليوم اتخذ أشكالًا جديدة؛ منها حب السيطرة والسعي للهيمنة، والتمسك بالمصالح الضيقة على حساب وحدة الصف. 

لم نعد نختلف فقط، بل أصبحنا نُمعن في إضعاف بعضنا وكأننا نسابق الزمن في تفكيك ما تبقى من روابطنا.

إن الاستقلال الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل هذا التناحر. 

لا استقلال لأمة تهين نفسها، ولا قوة لشعوب تفتقد الحد الأدنى من الاحترام المتبادل. فالقوة لا تُبنى على الكراهية، والوحدة لا تُصنع بالإقصاء، والنهضة لا تأتي من بيئة مشحونة بالصراعات.

نحن بحاجة إلى وقفة صادقة، نعيد فيها تعريف العدو والصديق، ونفصل فيها بين الخلاف المشروع والانحدار الأخلاقي. 

نحتاج إلى إعلام مسؤول، لا يؤجج الصراعات بل يطفئها وإلى وعي شعبي يرفض أن يكون وقودًا لمعركة لا تخدمه.

إن حديث "غثاء السيل" ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة يمكن تغييرها. 

فكما سقطنا في هذا الفخ ، يمكننا الخروج منه. 

البداية تكون من الكلمة، من احترام الآخر، من إدراك أن قوتنا في وحدتنا، لا في انقسامنا.

فهل نمتلك الشجاعة لنواجه أنفسنا قبل أن نواجه العالم؟ وهل ندرك أن أخطر إهانة ليست ما يوجهه إلينا الآخرون بل ما نسمح لأنفسنا أن نفعله ببعضنا البعض؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي الفارق بين أمةٍ تستعيد مكانتها، وأخرى تظل غثاءً على هامش التاريخ.

google-playkhamsatmostaqltradentX