بقلم : سلسبيل حمد
ليس كل من سامح عاد كما كان، وليس كل من تجاوز الإساءة فتح الباب من جديد. فهناك فرق كبير بين قلب يرفض أن يحمل الكراهية، وعقل تعلّم من التجربة ألا يمنح الثقة بلا حساب.
كثيرًا ما يُساء فهم التسامح، وكأن على الإنسان الذي اختار العفو أن يستعيد علاقته بمن أساء إليه، وأن يتعامل معه بالدرجة نفسها من القرب والمودة، وكأن تجاوز الجرح يعني أن الجرح لم يكن موجودًا من الأساس.
لكن الحقيقة أن التسامح لا يلغي الذاكرة، ولا يفرض على صاحبه أن يتنازل عن حقه في وضع حدود تحميه من تكرار الأذى.
قد تسامح شخصًا لأنك لا تريد أن تعيش أسيرًا للغضب، ولأنك تدرك أن الكراهية تستنزف صاحبها قبل أن تصل إلى من تسبب فيها. لكنك في الوقت نفسه قد تختار ألا تمنحه المساحة القديمة في حياتك، بعدما أثبتت التجربة أن القرب منه لم يكن آمنًا.
وهنا تظهر حكمة النضج؛ أن تترك قلبك خاليًا من الضغينة، دون أن تترك أبوابك مفتوحة لكل عابر.
فليس من الضروري أن تتحول كل نهاية إلى خصومة، ولا أن يصبح كل ابتعاد إعلانًا للحرب. أحيانًا يكون أرقى ما يفعله الإنسان أن يحتفظ باحترامه للآخر، ويختار المسافة التي تضمن له سلامه النفسي.
والأهم ألا يتحول التسامح إلى وسيلة يضغط بها الآخرون على الضحية، فيطالبونها بنسيان ما حدث، أو يلومونها لأنها لم تعد تمنح الثقة نفسها. فالعفو اختيار، أما استعادة الثقة فتحتاج إلى أفعال تثبت أن ما حدث لن يتكرر.
لسنا مطالبين بأن نحمل الكراهية حتى نثبت أننا تألمنا، ولا بأن نعيد الأشخاص إلى حياتنا حتى نثبت أننا تسامحنا.
فبعض العلاقات يمكن أن تنتهي دون خصام، وبعض الأشخاص يمكن أن نسامحهم دون أن نقترب منهم مرة أخرى.
ربما يكون أجمل ما يصل إليه الإنسان أن يظل قلبه أبيض، وعقله يقظًا، وكرامته محفوظة؛ فيسامح دون أن ينسى دروس التجربة، ويبتعد دون أن يحمل في قلبه رغبة في الانتقام.
