إطلالة على الأدب في مصر القديمة
كتب د. عبد الرحيم ريحان
دراسة علمية جديدة للباحث والأديب عبد الله مهدى رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر من خلال دراسته لنصوص مكتوبة منها ( تنبؤات نفرتي ) والذى يطلب فيها الملك (سنفرو) من موظفي القصر الملكي أن يبحثوا له عن من يقص عليه ما يسليه ويسعده فجاء على لسانه :(احضروا لي إنسان يروح عن نفسي بكلمات جميلة وأقوال مختارة تجد في سماعها جلالتي تسلية وراحة )
قسّم الباحث والأديب عبد الله مهدى أدب مصر القديمة إلى ثلاثة جوانب هي :
النصوص الأدبية وتضم الأسطورة والقصة والحواريات .أدب النقد والسياسة وقصائد المدح والملاحم والوصايا والحكم والأناشيد والغزل والرسائل
والجانب الثانى يحوي النصوص التي اختلفت آراء الباحثين في المصريات حولها وهى النصوص الدينية ( متون الأهرام / متون التوابيت / كتاب الموتى)
والجانب الثالث يضم النصوص التى توافق الباحثون في علم المصريات على كونها غير أدبية على نحو :النصوص ( الإدارية / الطبية / السحرية / الفلكية / الرياضية )
يشير الكاتب عبد الله مهدى إلى تأصيل الكتابات عن الأدب المصرى وكانت البداية عندما نشر العالم الألماني أدولف إرمان Adolf Erman في عام ١٩٢٤ مقاله الشهير عن بردية أمنيؤوبي والذي أثبت فيه أن هذه البردية أصل سفر الأمثال المنسوب إلى النبي سليمان ، حصل بدجWallis Buge للمتحف البريطاني على بردية أمنيؤوبي عام ١٨٨٨، ولم ينشر شيئا عنها إلا في عام ١٩٢٢ عندما نشر مقالا عنها، ثم نشر النص الكامل مع التعليق عليه في عام ١٩٢٣
أدهش أدولف إرمان العالم وبدأوا البحث وظل كتاب إرمان عن ( أدب المصريين القدماء ) الذي صدر بالألمانية عام ١٩٢٣ و يضم ترجمات كاملة لأجمل القصص والمواعظ والأناشيد والأغاني وغيرها -- الأوحد الذي كتب في هذا المنجز الإبداعي للحضارة المصرية القديمة -- في تلك الفترة التاريخية
حتى جاء عالم المصريات " هرمان جرابو " Herman Grapow " في عام ١٩٢٤ ونشر كتابا يحلل فيه النصوص الأدبية المصرية ويوضح فيه ما بلغته اللغة المصرية في مختلف ميادين المجاز والتشبيه والبيان والبديع والمعاني ومقارنتها بغيرها.
وقد أجاد عالم المصريات الألماني " ماكس بيبر" في كتابه عن الأدب المصري والذي نشر عام ١٩٢٧ كما نشر في نفس العام ترجمة إنجليزية لكتاب إرمان ( أدب المصريين القدماء) وأقبل علماء الساميات على البحث في هذا الأدب ودراسته وتجلت نتائج دراساتهم في تلك الفترة احتراما وتقديرا للأدب المصري القديم وتحدثوا عن أثر النشيد الكبير لاخناتون على مزمور ١٠٤ من مزامير داود في التوراة.
وتابع الباحث والأديب عبد اللع مهدى بأن ذلك جاء من اقتناع الأدباء اللاحقين ( الدولة الوسطى / الحديثة ) بما حوته من سمو في التعبير وألوان بيانية منتقاه ونصائح تحمل خبرات وتجارب ٱمن بها واقتنع الوجدان والفكر الجمعي ولذلك منحوها القداسة وجعلوا منها نبراسا يحتذى على الجميع التأدب بها.
ولم تتأثر هذه الأدبيات بأي شكل من الأشكال بالأفكار الأجنبية الدخيلة وولعل أقوال " بتاح حوتب " تؤكد مدى تقديره لأقوال الأسلاف حين قال (إن صوابهم هو سر مجدهم، ولن تزول ذكراهم من أفواه الناس بما كان عليه جمال حكمتهم، وعلى الإنسان أن يتداول أقوالهم كلها، ولن تزول عن هذه الدنيا إطلاقا)
وتتناغم تعاليم " خيتي " ملك أهناسيا لولده عن أسلافه قائلا له ( وراع أن أقوالهم خالدة في الكتب فافتحها واقرأ حتى تبلغ الحكمة)
نصح ملك إهناسيا ابنه " مري كا رع " قائلا ( كن مفتنا في الكلام، قديرا فيه، مالكا لناصيته، حتى يعلو شأنك وينبه ذكرك، فقوة المرء في لسانه، والكلام أقوى من الحرب والقتال، إن الرجل الفطن لا يهاجمه أهل العلم، وهو بفطنته وحسن بصيرته ، يستطيع أن يتجنب المصاعب ، فلا يصيبه الضر ، ولا يلحق به الأذى ، والصدق يأتي إليه طائعا مختارا مصفى ، حسب ما جاء في كلام الأجداد الغابرين ، انسج على منوال ٱبائك الذين سبقوك ، انظر ، إن كلماتهم لا تزال خالدة ، تنبض بالحياة فيما خلفوه من كتب ، افتح الكتاب واقرأ ما فيه ، واستفد بعلم أسلافك ، واتبع تعاليمهم ، تصبح عالما حكيما مثلهم )
ولفت إلى القواعد الذي بني عليها النقد الأدبي في مصر القديمة وهى اهتمام المصري القديم بالفصاحة والبيان في أقواله، ومعيار جودة النص الأدبي تنبع من نسجه على منوال أجداده الغابرين والاستفادة من علم الأسلاف واتباع تعاليمهم، وأن النص الأدبي في مصر القديمة قيمته تنبع من رسالته الأخلاقي ويحوى في كلماته علوم البلاغة " البيان والبديع والمعانى ".
وعن شكاوى الفلاح الفصيح في مصر القديمة يوضح الباحث والأديب عبد الله مهدى بأن الملك أمر موظفه بألا يجيب طلب الفلاح حتى يواصل الفلاح إبداعه فيثري البليغ من القول بشكواه ، فيسجلها الموظف ، ثم يعيدها على مسامع الملك فيسعد بسماعها، وأهم ما في الشكايات، الشكاية الثامنة التى تحوي مبادئ العدالة الاجتماعية والسياسية والقانونية
حيث يحض الفلاح ناظر الخاصة الملكية ( دنزي) على العدل بأسلوب بليغ بيّن
أقم العدل لرب العدل الذي عدل عدالته موجود وأنت يا أيها القلم، وأنت يأيتها البردية، ويأيتها الدواة ويا تحوتي ابتعدوا عن عمل السوء
وعندما يكون الحسن حسنا فالأمر إذن حسن
غير أن العدل سيكون للأبد
ويذهب مع من يعمله إلى الجبانة
وسيدفن وتطويه الأرض
أما اسمه فلن يمحى من الأرض
بل سيذكر للخير ..
انطق العدل وأقم العدل لأنه خطير وعظيم
ويعيش طويلا ، والثقة به قد عرفت
فهو يؤدي إلى العمر الطويل المحترم.
هل الميزان يحيد ؟
فإذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يكون بسبب كفتيه اللتين تحملان الأشياء ..
ولا يجوز وجود الظلم مع القانون
وبالنظر لتلك الشكاية يتجلى لنا هذا التنوع في أسلوب (الفلاح الفصيح) بين الخبري والإنشائى ...
ولفت الباحث والأديب عبد الله مهدى إلى استلهام نشيد إخناتون الكبير في المزمور ١٠٤، أراد الملك " أمنحتب الرابع " أن يزيد من شأن عبادة " ٱتون " القوة الكامنة في قرص الشمس..." ويقول النشيد :(ما أعظم " أعمالك " التى عملتها إنها خافية على الناس
أيها الإله الأوحد الذي لا شبيه له
لقد خلقت الدنيا كما شئت
عندما كنت وحدك ... )
ويقابله في المزمور :
( ما أعظم أعمالك يا رب ، كلها بحكمة يا رب ، كلها بحكمة صنعت ، ملٱنة الأرض من غناك )
ويختتم الباحث والأديب عبد الله مهدى بالأغانى في مصر القديمة وكانت ضرورة ملحة للتقرب للآلهة من خلال الأغاني الدينية والترانيم وتنوعت بين الأغانى الدينية والترانيم وأغانى الحب والعاطفة وأغانى العمل والأغانى الجنائزية
واستخدمت آلات موسيقية متنوعة منها الوترية مثل الهارب والسمسمية، وآلات النفخ مثل الناى والبوق وآلات الإيقاع مثل الصرخات الصوتية والصنوج والطبول ومن كلمات الأغانى يا زهرة الحب الزرقاء قلبى ملك لك، ومن أجلك أفعل ما يهواه، انتظارى لك هو كحل عينى، وأغنية زهرة الخشخاش في الحديقة، وأنا أمسك بأكاليل زهورك، وعندما تعود ثملًا وترقد على سريرك فإنى أمسح تراب قدميك
وكان المصري القديم يحبب العلم والكتابة إلى أبنائه، فيذكر ذلك بقوله ( فكن كاتبا، وضع ذلك في قلبك، وبذلك يبقى اسمك ... وإن كتابا واحدا لأكثر نفعا من بيت يؤسس ومن قبر في الغرب)

