بقلم: سلسبيل حمد
أصعب ما في بعض العلاقات ليس أن نفقد أشخاصا نحبهم، بل أن نظل متمسكين بهم حتى نفقد شيئا من أنفسنا في سبيل الاحتفاظ بهم.
نعتقد أحيانا أن الصبر يعني الاحتمال بلا حدود، وأن المحبة تقتضي تجاوز كل ما يؤلمنا، وأن العتاب المتكرر قد يعيد اهتماما غائبا. لكننا نكتشف بعد وقت طويل أننا لم نعد نطلب سوى أبسط حقوقنا، وكأن الاهتمام والتقدير امتيازات ينبغي أن نتوسل للحصول عليها.
عندما تخبر شخصا بأن تصرفا ما يؤلمك ثم تجده يكرره، وعندما تطلب الاهتمام فتجد نفسك في موضع من يستجديه، وعندما تكتشف أنك الطرف الوحيد الذي يحاول الحفاظ على العلاقة، يصبح من الضروري أن تتوقف قليلا وتسأل نفسك: هل أحافظ على علاقة متبادلة، أم أحاول وحدي إنقاذ شيء لم يعد الطرف الآخر حريصا عليه؟
ليس المطلوب أن تعاقب أحدا بالغياب، ولا أن تدخل في معركة لإثبات من المخطئ. وليس من الضروري أن تكتب رسالة طويلة تشرح فيها أسباب ابتعادك. يكفي أن تدرك أنك حاولت بما فيه الكفاية، وأن استمرارك بالطريقة نفسها لم يعد سوى استنزاف لمشاعرك وطاقتك.
هناك أشخاص نبالغ في التمسك بهم خوفا من خسارتهم، حتى نكتشف أننا خسرنا أنفسنا ونحن نحاول الاحتفاظ بهم. وهنا تظهر المفارقة؛ فقد يكون الغياب أحيانا أقل إيلاما من حضور لا يمنحنا شعورا بقيمتنا، وقد يكون الرحيل حفاظا على ما تبقى من احترامنا لأنفسنا، لا تخليا عن شخص نريده.
ليس كل غياب خسارة، كما أن ليس كل بقاء وفاء. فالانسحاب من علاقة تستنزفك لا يعني أنك لم تحب بما يكفي، بل قد يعني أنك أدركت أخيرا أن المحبة لا تبرر إهدار الكرامة.
لا تفرض وجودك على أحد، ولا تجعل قيمتك موضوعا للتفاوض، فالمكانة التي تحتاج إلى استجداء مستمر ليست مكانة آمنة، والاهتمام الذي يأتي بعد عشرات المطالبات لا يمنح العلاقة بالضرورة ما تحتاجه من طمأنينة.
أحيانا لا يكون أصعب قرار هو أن ترحل، بل أن تتوقف عن إقناع نفسك بأن عليك البقاء.
