كتب : د. عبد الرحيم ريحان
عبارة شهيرة «تتقطع الإيد اللي تتمد على مصري»، قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عام 2013، حين كان قائدًا عامًا للقوات المسلحة ووزيرًا للدفاع، قبل توليه رئاسة الجمهورية عام 2014، كرسالة حزم لحماية المواطنين وفرض هيبة الدولة والحفاظ على الأمن القومي.
كما ذكر الرئيس عبارات مشابهة مرتبطة بأزمة مياه النيل، ومنها «تُقطع اليد التي تمتد على النيل»، في يونيو 2014، عقب أدائه اليمين الدستورية وتشكيل الحكومة الجديدة آنذاك، وذلك في ضوء توجيهاته لوزير الموارد المائية والري في ذلك الوقت، الدكتور حسام مغازي، بما يعكس الخطوط الحمراء للدولة المصرية بشأن أمنها المائي.
وقد أكد هذه المقولة كحقيقة أثرية تاريخية عالم المصريات الدكتور طارق فرج، موضحًا أن أيدي الأعداء في مصر القديمة كانت تُقطع بالفعل، وخاصة اليد اليمنى، لمنع العدو من حمل السلاح أو إتيان أي فعل معادٍ في العالم الآخر، أو العالم السفلي، مشيرًا إلى أن الهدف من ذلك كان عدّ وحصر قتلى الأعداء وحساب المكافآت للجنود، وليس مجرد العقوبة.
وكانت الأيدي تُجمع وتُعرض أمام الكتبة والملك بعد المعارك لإحصاء عدد قتلى العدو بدقة، كما اعتُبر عدد الأيدي المقطوعة دليلًا على كفاءة الجندي وجسارته في المعركة، بما يؤهله للحصول على المكافآت والعطايا.
وظهرت هذه الممارسة بوضوح في السجلات المصرية، وبدأت الأدلة المادية عليها في الظهور، ومنها معبد أحمس في أبيدوس، بالتزامن مع فترة طرد الهكسوس. كما نُقشت مشاهد جمع الأيدي على جدران المعابد، مثل معبد مدينة هابو للملك رمسيس الثالث بالبر الغربي في الأقصر، باعتبارها جزءًا من طقوس النصر وإبراز هزيمة قوى الفوضى أمام النظام المصري.
جاء ذلك خلال ندوة بعنوان «العسكرية المصرية عبر العصور»، وهي حلقة نقاشية باتحاد الكتاب، نظمتها لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، بالتعاون مع مؤسسة مصر المستقبل، مساء السبت 3 أكتوبر الجاري، تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، وذلك بمقر النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر بالزمالك.
التاريخ وحب الوطن
وأوضح الكاتب والباحث عبد الله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، أن أي نهضة حضارية أو طفرة ثقافية لا بد أن تبدأ بالبحث عن الجذور والأعماق، وأن بلورة الإنسان المصري لمستقبل مشرق لا بد أن تمتد إلى الماضي، وأن تعتمد على تعميق الوعي بالتاريخ والتراث والحضارة المصرية في مختلف عصورها.
وأكد أن الوعي التاريخي والأثري يكمل الثقافة القومية، ويبرز الشخصية الوطنية، ويحدث التكامل بين الماضي والحاضر والمستقبل، مشيرًا إلى أن معرفة تاريخنا واجب مقدس يمليه علينا صوت الحق والعدل، ويدفعنا إليه حب الوطن.
الأمن القومي
وأشار الدكتور محمود الشنديدي، المدير العام السابق لهيئة صندوق إنقاذ آثار النوبة والأمين العام لمؤسسة مصر المستقبل، إلى أن مفهوم الأمن القومي بدأ منذ بداية الاستقرار في وادي النيل، ومنذ فترة ما قبل التاريخ، حيث تشكلت بدايات مفهوم الأمن لحماية المجتمعات المحلية ومواردها الحيوانية والاقتصادية في المراكز الحضارية المختلفة.
وأوضح أن هذا المفهوم تطور بعد ذلك ليشمل تأمين الدولة المصرية كلها، داخليًا من الاضطرابات والمشكلات، وخارجيًا من العدوان والاحتلال، لافتًا إلى أن مفهوم الأمن القومي ارتبط بالأمن المائي، وأدى إلى مركزية الدولة ونشأة السلطة المركزية لتأمين نهر النيل من المنبع إلى المصب.
وأضاف أن الأمن شمل كذلك تأمين الجبهة الداخلية، وتأمين الجنوب والغرب من غارات سكان الصحارى والبدو، وهو ما أدى إلى إنشاء القلاع في الجنوب، ومنها قمنة وسمنة و17 قلعة أخرى، إلى جانب تأمين الجبهة الغربية والجبهة الشمالية والبحر المتوسط، ثم تأمين الجبهة الشرقية وسيناء.
الشرطة والجبهة الداخلية
وتحدث اللواء عبد الحافظ محمود، الخبير الأمني والتشريعي، عن دور الشرطة المصرية في حماية الجبهة الداخلية خلال حرب أكتوبر المجيدة، مشيرًا إلى صلابة الجبهة الداخلية المصرية وتماسكها خلال فترة الحرب.
وأوضح أن هذا التماسك تجلى في عدم تسجيل أقسام الشرطة أي بلاغات عن جرائم خلال تلك الفترة، موضحًا أنه كان في ذلك الوقت طالبًا بكلية الشرطة، وتم توزيعه هو وزملاؤه على أقسام الشرطة في مختلف أنحاء مصر، وكان نصيبه في منطقة التحرير بالقاهرة.
ولفت إلى أن ما أثار انتباهه آنذاك هو حالة التماسك الاجتماعي بين جميع فئات الشعب المصري، مؤكدًا أن الشعب بأكمله وقف خلف جيشه وقياداته من أجل تحقيق النصر.
وطالب اللواء عبد الحافظ محمود بضرورة العمل والجد والاجتهاد، واستلهام روح هذا النصر العظيم في مختلف مناحي الحياة المصرية طوال العام، وليس في شهر أكتوبر فقط.
آثار سيناء والاحتلال الإسرائيلي
واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، حديثه بالتأكيد على أن الدولة الإسرائيلية خططت، بعد احتلال سيناء، لطمس هويتها وتزوير تاريخها وسرقة آثارها، تمهيدًا لصبغها بالصبغة اليهودية، واتخاذ ذلك ذريعة للعودة وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال قامت، دون وجه حق وبما يخالف القوانين الدولية، بإجراء حفريات في أكثر من 35 موقعًا أثريًا بسيناء خلال الفترة من 1967 حتى 1982، بطرق غير علمية، بهدف الحصول على قطع أثرية لعرضها في متاحفها أو الاتجار بها، فضلًا عن نهب محتويات المواقع الأثرية.
وأوضح أن عمليات النهب شملت آثار وادي المغارة، حيث توجد مناجم الفيروز، ومعبد سرابيت الخادم بجنوب سيناء، إلى جانب سرقة مقابر وادي فيران الأثرية، وأعمال نهب في مدينة دهب.
كما أشار إلى تدمير مدينة الفرما بشمال سيناء، وهي بيلوزيوم القديمة، التي تضم آثارًا تمتد من العصر الروماني إلى العصر الإسلامي، حيث جرى نهب مقتنياتها، وتحويل الموقع خلال الفترة من 1967 وحتى 1976 إلى محجر لاستخراج مواد تُستخدم في إنشاء الطرق للمواقع العسكرية الإسرائيلية، قبل أن تُهدم أجزاء من المدينة بالجرافات.


