recent
أخبار ساخنة

جدران منيعة أم شاشات مشتعلة؟.. حرب الفتن الرقمية تختبر عمق الأخوة بين القاهرة والخرطوم

وليد رزق
الصفحة الرئيسية



    محافظة الدقهلية 

  بقلم :  سمير الدسوقي

في وقت تمر فيه المنطقة بظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد، تتصاعد على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما عبر مقاطع الفيديو القصيرة ومنصة «تيك توك» خطابات حادة ومواقف استفزازية من شأنها تأجيج الخلافات وإثارة مشاعر الغضب بين بعض المصريين والسودانيين، بما يثير تساؤلات مهمة حول دور الفضاء الرقمي في تشكيل الوعي العام، وحدود المسؤولية الأخلاقية في التعامل مع الأزمات التي تمس العلاقات بين الشعوب.


وبينما تتطلب المرحلة الراهنة قدرًا كبيرًا من الحكمة وضبط النفس، تبرز ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والشائعات المتداولة، وبين المواقف الفردية والتوجهات الرسمية، حتى لا تتحول الحوادث المحدودة أو الخلافات العابرة إلى ذريعة لإشعال فتنة شعبية تهدد روابط تاريخية وجغرافية وإنسانية راسخة بين الشعبين المصري والسوداني.


فالعلاقة بين القاهرة والخرطوم ليست مجرد علاقة بين دولتين تجمعهما حدود مشتركة، وإنما هي امتداد لتاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والمصاهرة والتعاون والمصالح المتبادلة، فضلًا عن ارتباطهما بنهر النيل وتحديات إقليمية تتطلب التنسيق والتفاهم، لا الانجرار إلى صراعات تصنعها الكلمات المتشنجة أو المقاطع المجتزأة.


التحريض الرقمي.. حين تتحول المنصات إلى ساحات للاشتباك


لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل لتبادل الأخبار والآراء، بل أصبحت ساحة مؤثرة في تشكيل الاتجاهات العامة، وقد تتحول، في غياب التحقق والمساءلة، إلى بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية والتحريض والتعميمات العنصرية.


وتكمن الخطورة في أن بعض المحتويات المتداولة قد تُقتطع من سياقها، أو تُقدَّم بصورة انتقائية، أو تُصاغ بعناوين تستهدف إثارة الغضب وجذب المشاهدات، بما يفتح الباب أمام موجات من التفاعل العدائي لا تستند بالضرورة إلى معلومات مكتملة أو وقائع موثقة.


ولا يصح الجزم بوجود حملة منظمة تقف وراء كل محتوى استفزازي من دون أدلة واضحة، لكن ذلك لا ينفي أهمية الانتباه إلى محاولات استغلال الأزمات لإشعال الخلافات، أو توظيف الحسابات المجهولة في نشر معلومات مضللة وتوسيع دوائر الشك والعداء بين الشعوب.


إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس مجرد انتشار منشور مسيء، وإنما انتقال أثره من الشاشة إلى الواقع، حين تتحول الإساءة الفردية إلى حكم جماعي، ويصبح الانتماء الوطني أو الجنسية سببًا للاتهام أو الانتقاص من الكرامة الإنسانية.


الدولة والجماعات والأفراد.. ضرورة الفصل بين المسارات


إن التعامل المسؤول مع الأزمات التي تمس العلاقات المصرية السودانية يفرض التمييز بين ثلاثة مسارات أساسية، منعًا للخلط والتعميم والاتهامات غير المستندة إلى أدلة.


أولًا: مواقف الدول والمؤسسات الرسمية.


تُفهم العلاقات بين الدول من خلال بياناتها الرسمية ومواقفها الدبلوماسية والإجراءات المعلنة، وليس من خلال كل تصريح فردي أو مقطع متداول على منصات التواصل. ومن ثم، فإن تقييم أي موقف رسمي يستلزم الرجوع إلى مصادر موثوقة، وتجنب استنتاج وجود أزمة بين دولتين اعتمادًا على منشورات غير موثقة.


ثانيًا: الجماعات المسلحة والتنظيمات والجهات ذات المصالح السياسية.


قد تسعى أطراف مختلفة إلى استثمار الأزمات والصراعات لتحقيق مكاسب سياسية أو توسيع دوائر الانقسام، لكن تحديد مسؤولية أي جهة عن التحريض أو العنف يتطلب أدلة قابلة للتحقق، لا مجرد افتراضات أو اتهامات متداولة. فالمواجهة الحقيقية للتطرف والتحريض تبدأ بكشف الوقائع ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.


ثالثًا: الأفراد والحسابات الرقمية.


لا يجوز اعتبار رأي شخص واحد ممثلًا لشعب كامل، كما لا ينبغي التعامل مع كل حساب مجهول باعتباره دليلًا على وجود مخطط منظم. فالمسؤولية عن الإساءة أو التحريض تقع على مرتكبها، متى ثبتت مسؤوليته، ولا تنتقل إلى ملايين الأشخاص الذين لا صلة لهم بالفعل.


ومن هنا، يصبح الوعي الرقمي ضرورة لا تقل أهمية عن الوعي السياسي؛ فالتثبت من المعلومات، وفحص مصادرها، والامتناع عن إعادة نشر المحتوى المثير للفتنة، خطوات أساسية لحماية المجتمع من الانجرار وراء حملات الغضب والتضليل.


دماء الأبرياء خط أحمر.. والعدالة لا تعرف الجنسية


إن أي واقعة عنف أو اعتداء تستوجب التعامل معها بجدية، والتحقيق في ملابساتها، وتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، وضمان محاسبة كل من تثبت إدانته وفق القانون.


ولا يجوز أن تتحول المطالبة بالعدالة إلى دعوة للانتقام الجماعي، أو أن يُحمَّل الأبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها لمجرد اشتراكهم مع الجاني في الجنسية أو الأصل أو الانتماء ؛فالعدالة الحقيقية لا تنتقي ضحاياها ولا تبرر الاعتداء على إنسان بسبب هويته، كما أن رفض العنصرية لا يعني التهاون مع الجريمة، وإنما يعني إدانة الفعل ومحاسبة مرتكبه، مع صون كرامة الأبرياء وحقوقهم.


وفي ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، تزداد أهمية الخطاب المسؤول الذي يرفض التهوين من معاناة الضحايا، وفي الوقت نفسه يرفض استغلال آلامهم لإشعال الكراهية بين الشعوب.


فدماء الأبرياء ليست مادة لتصفية الحسابات السياسية وكرامة الإنسان ليست مجالًا للمساومة، وأمن المجتمعات لا يتحقق بالصراخ والتحريض، بل بإعمال القانون واحترام الحقائق وضبط النفس.


مصر والسودان.. تاريخ أعمق من خلافات المنصات


إن ما يجمع المصريين والسودانيين أوسع من أن تختزله منشورات غاضبة أو مقاطع استفزازية. فبين الشعبين علاقات أسرية واجتماعية وثقافية ممتدة، ومصالح مشتركة تفرض أن تظل لغة العقل حاضرة حتى في أصعب اللحظات.


ولا يعني التمسك بهذه الروابط تجاهل الخلافات أو إخفاء الوقائع، بل يعني إدارة الاختلاف بمسؤولية والتمييز بين نقد تصرف بعينه والإساءة إلى شعب بأكمله وبين المطالبة بالمحاسبة القانونية وإطلاق أحكام جماعية لا تخدم سوى مزيد من الاحتقان.


كما أن الحفاظ على العلاقات الأخوية لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يتطلب تعاونًا إعلاميًا ومجتمعيًا في مواجهة الشائعات، وتقديم المعلومات الدقيقة، وإتاحة المجال للأصوات العاقلة التي ترفض تحويل الخلافات إلى خصومات مفتوحة.


وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور المؤسسات الإعلامية والمثقفين والشخصيات العامة في تهدئة الأجواء وتوضيح الحقائق، والتصدي للمحتوى الذي يستهدف إثارة النعرات العنصرية، دون مصادرة حق الجمهور في معرفة الوقائع أو مساءلة المسؤولين.


الحضارة تجمعنا.. والوعي يحمي حاضرنا ومستقبلنا


إن الرمزية التي تجمع حضارة وادي النيل وتاريخ مصر والسودان تذكّرنا بأن الروابط بين الشعوب لا تُبنى في يوم، ولا ينبغي السماح للخلافات العابرة بأن تهدمها. فالتاريخ المشترك ليس مجرد ذكرى نستحضرها في المناسبات، بل مسؤولية تفرض علينا حماية الحاضر وصون فرص التعاون في المستقبل.


وفي عصر أصبحت فيه المعلومة قادرة على عبور الحدود خلال ثوانٍ، باتت المسؤولية عن الكلمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى ؛ فإعادة نشر مقطع مجهول المصدر قد تسهم في نشر معلومة مضللة، والتعليق العنصري قد يفتح بابًا لموجة من الإساءة المتبادلة، بينما يمكن لكلمة مسؤولة أن توقف تصعيدًا وتعيد النقاش إلى مساره الصحيح.


ومن هنا، فإن مواجهة الفتن الرقمية تبدأ من الفرد قبل المؤسسة: ألا يشارك محتوى غير موثق، وألا ينساق وراء التعميم، وألا يجعل الغضب مبررًا للإساءة، وأن يطالب بالعدالة دون أن يتخلى عن الإنصاف.


 لا تسمحوا للشاشات أن تهدم جسور النيل


إن الاختبار الحقيقي للعلاقات بين الشعوب لا يكمن في غياب الخلافات، بل في القدرة على إدارتها دون المساس بالكرامة الإنسانية أو الإضرار بالمصالح المشتركة.


ومهما ارتفعت حدة الخطاب على الشاشات، فإن المسؤولية تقتضي ألا نسمح للمحتوى الاستفزازي بأن يتحول إلى موقف جماعي، أو أن تصبح الجريمة الفردية سببًا في اتهام شعب كامل، أو أن تُستغل آلام الضحايا لتوسيع دائرة الكراهية.


فمصر والسودان يجمعهما تاريخ وجوار ومصير متداخل وصون هذه العلاقة لا يعني تجاهل الحقيقة، بل يقتضي إظهارها كاملة، ومحاسبة المخطئ، وحماية البريء ورفض التحريض أيًّا كان مصدره.


فلتبقَ العدالة فوق الانفعال، والحقيقة فوق الشائعة والأخوة فوق محاولات الوقيعة؛ لأن جسور النيل التي ربطت الشعبين عبر التاريخ أعمق من أن تهدمها شاشات مشتعلة، وأقوى من أن تنال منها كلمات عابرة.


google-playkhamsatmostaqltradentX