محافظة الدقهلية
كتب : سمير الدسوقي
ميناء عصب في قلب الصراع.. طموحات إثيوبيا البحرية تضع القرن الإفريقي أمام شبح مواجهة إقليمية.
تصاعد التوتر على الحدود الإثيوبية الإريترية بعد تقدم القوات الإثيوبية إلى زالامبيسا..
وواشنطن تدعو إلى خفض التصعيد واحترام سيادة الدول.
تتصاعد حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية التطورات العسكرية المتسارعة في إقليم تيجراي، وتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى المناطق الحدودية، في ظل الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها ميناء عصب الإريتري بالنسبة إلى الحسابات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر، وما يثيره هذا الملف من حساسيات تتصل بالسيادة الوطنية وأمن الممرات البحرية في منطقة القرن الإفريقي.
وأعاد تقدم القوات الإثيوبية إلى بلدة زالامبيسا الحدودية تسليط الضوء على احتمالات اتساع نطاق الأزمة، خصوصًا مع تزايد الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة بشأن التدخل العسكري ودعم الجماعات المسلحة.
ورغم أن المعطيات المتاحة لا تثبت اتخاذ القيادة الإثيوبية قرارًا بالاستيلاء على ميناء عصب، فإن تزامن التحركات الميدانية مع تصاعد الخطاب السياسي بشأن الوصول إلى البحر الأحمر يضع المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية.
وتتجاوز أهمية التطورات الراهنة حدود الخلاف الثنائي، إذ ترتبط بأمن القرن الإفريقي واستقرار طرق التجارة البحرية، فضلًا عن تداخل مصالح عدد من الدول الإقليمية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والسودان وإريتريا والصومال.
تحرك أميركي لاحتواء الأزمة
في محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد، دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى خفض التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا، مؤكدًا ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والامتناع عن أي توغلات عسكرية عبر الحدود.
ووفقًا لبيان الخارجية الأميركية، بحث روبيو خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التطورات المرتبطة بالتوتر مع إريتريا، مشددًا على أن الحوار والتواصل يمثلان المسار الضروري للتوصل إلى حلول مستدامة للأزمات الداخلية والإقليمية.
كما استند الموقف الأميركي إلى اتفاق السلام الذي توصل إليه البلدان عام 2018، والذي أنهى سنوات طويلة من القطيعة التي أعقبت الحرب الحدودية بين عامي 1998 و2000.
وتعكس الدعوة الأميركية مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى فتح جبهة صراع جديدة في منطقة تعاني بالفعل من اضطرابات أمنية ونزاعات متداخلة، بما قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويؤثر في حركة التجارة والملاحة بالبحر الأحمر.
زالامبيسا.. نقطة اشتعال على الحدود
يمثل وصول القوات الحكومية الإثيوبية وحلفائها إلى زالامبيسا تطورًا ميدانيًا لافتًا في سياق العمليات الجارية بإقليم تيجراي، بعدما شهدت المنطقة تحركات عسكرية وانسحابات لمقاتلين من جبهة تحرير شعب تيجراي، وفقًا للتقارير الواردة بشأن الوضع الميداني.
وتكتسب البلدة أهميتها من موقعها الحدودي المباشر مع إريتريا، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن حدود التحركات العسكرية الإثيوبية والأهداف التي تسعى أديس أبابا إلى تحقيقها في المرحلة المقبلة.
وتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم جماعات مسلحة معارضة، بينما ترفض أسمرة هذه الاتهامات، وتحذر من أن التصريحات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر قد تتجاوز المطالب الاقتصادية والتجارية إلى تهديد سيادتها الوطنية.
وفي ظل تضارب الروايات بشأن بعض التحركات العسكرية، يظل تحديد طبيعة العمليات وأهدافها النهائية مرهونًا بمعلومات مستقلة وموثوقة، لا سيما أن أي تجاوز للحدود المعترف بها دوليًا قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة يصعب احتواء تداعياتها.
لماذا يمثل ميناء عصب هدفًا
استراتيجيًا في الحسابات الإثيوبية؟
تنبع الأهمية الاستراتيجية لميناء عصب من موقعه على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وقربه من الأراضي الإثيوبية، فضلًا عن ارتباطه التاريخي بالتجارة الإثيوبية قبل استقلال إريتريا عام 1993.
فمنذ استقلال إريتريا، فقدت إثيوبيا منفذها البحري المباشر، وأصبحت دولة حبيسة تعتمد على موانئ الدول المجاورة في حركة وارداتها وصادراتها، مع اعتماد كبير على ميناء جيبوتي.
ومع النمو السكاني والاقتصادي واتساع احتياجاتها التجارية، باتت أديس أبابا تنظر إلى الوصول إلى البحر الأحمر باعتباره قضية استراتيجية تتصل بأمن الإمدادات، وتكاليف النقل، وتنويع مسارات التجارة، وتقليل الاعتماد على منفذ بحري واحد.
وقد عبّر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في تصريحات سابقة، عن الأهمية التي توليها بلاده للوصول إلى البحر، واصفًا القضية بأنها مسألة وجودية بالنسبة إلى إثيوبيا.
غير أن هذه الرؤية تصطدم بحقيقة قانونية وسيادية واضحة، وهي أن ميناء عصب يقع داخل الأراضي الإريترية، ويخضع لسيادة الدولة الإريترية. ومن ثم، فإن أي ترتيبات تتعلق باستخدامه أو تطوير التعاون بشأنه تستلزم اتفاقًا بين الدولتين، ولا تمنح الاعتبارات الاقتصادية أو التاريخية أي دولة حق فرض سيطرتها بالقوة على أراضي دولة أخرى.
وهنا تكمن معضلة الأزمة: فإثيوبيا تسعى إلى ضمان وصول مستقر إلى البحر، بينما ترى إريتريا أن الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
قمة العلمين.. تأكيد سيادة الدول وأمن البحر الأحمر
تأتي التطورات الإثيوبية الإريترية في أعقاب القمة الرباعية التي استضافتها مدينة العلمين الجديدة في الرابع من أكتوبر الجاري، بمشاركة قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال، بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأكد البيان الختامي للقمة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، ودعم الحلول السياسية والسلمية للنزاعات، إلى جانب تعزيز التعاون بين الدول المشاركة في مواجهة التحديات الأمنية والإقليمية.
كما شدد القادة على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، مع التأكيد على أهمية حماية حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل النقاش المتصاعد بشأن طموحات إثيوبيا البحرية، باعتبارها دولة حبيسة تسعى إلى تأمين مصالحها التجارية والأمنية في منطقة ذات أهمية استراتيجية عالمية.
وفي المقابل، أكدت الخارجية الإثيوبية، في بيان أعقب القمة، أهمية مراعاة مصالح بلادها وصلتها الجغرافية والتاريخية بالبحر الأحمر، مشددة على ضرورة أخذ مصالح إثيوبيا في الاعتبار عند مناقشة الترتيبات البحرية والأمنية الإقليمية.
ويكشف هذا التباين عن ضرورة التوصل إلى صيغة توازن بين احتياجات إثيوبيا المشروعة في التجارة والوصول إلى الموانئ، وحقوق الدول الساحلية في السيادة على أراضيها ومياهها وموانئها، بما يمنع تحول الخلاف السياسي إلى صدام عسكري.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للتصعيد
في ضوء التطورات الميدانية والمواقف السياسية المتباينة، تبرز عدة مسارات محتملة للأزمة الإثيوبية الإريترية، تختلف في حجم المخاطر والتداعيات الإقليمية.
السيناريو الأول: احتواء الأزمة عند الحدود.
يقوم هذا المسار على اقتصار التحركات العسكرية على مناطق تيجراي والحدود القريبة، مع تجنب أي توغل داخل الأراضي الإريترية، وفتح قنوات اتصال سياسية وأمنية تحول دون وقوع اشتباكات مباشرة بين الجيشين.
السيناريو الثاني: ضربات عابرة للحدود.
قد يتصاعد الوضع إذا اعتبرت أديس أبابا أن تهديدات أمنية تنطلق من داخل الأراضي الإريترية، أو إذا وقعت مواجهات مباشرة بين قوات البلدين.
وفي هذه الحالة، قد تنتقل الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة، مع احتمالات اتساع نطاق العمليات العسكرية وتزايد الضغوط الدولية للتدخل والوساطة.
السيناريو الثالث: مواجهة إقليمية واسعة.
يمثل هذا الاحتمال الأكثر خطورة، إذ قد يؤدي اندلاع حرب مفتوحة بين إثيوبيا وإريتريا إلى إعادة تشكيل الحسابات الأمنية في القرن الإفريقي، ورفع مستوى التوتر حول البحر الأحمر، وتهديد حركة التجارة والملاحة، فضلًا عن دفع أطراف إقليمية إلى تعزيز تحركاتها الدبلوماسية والأمنية.
ومع ذلك، فإن تحقق أي من هذه السيناريوهات يظل مرتبطًا بقرارات الأطراف المعنية، وطبيعة التحركات العسكرية المقبلة، ومدى استعداد القوى الإقليمية والدولية للضغط من أجل التهدئة.
خبراء يحذرون من كلفة المواجهة
يرى الباحث السياسي الإثيوبي سامويل جبراميكائيل أن التقدم العسكري الإثيوبي في المناطق الحدودية قد يرتبط بمحاولة تثبيت السيطرة على المناطق المستعادة ومنع إعادة تمركز الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة الإثيوبية قرب الحدود الإريترية.
وبحسب تقديره، فإن استمرار الاعتقاد بوجود تهديدات أمنية مصدرها الأراضي الإريترية قد يدفع أديس أبابا إلى التفكير في خيارات عسكرية تتجاوز الحدود، وهو ما قد ينقل الأزمة إلى مستوى مختلف من المواجهة.
وفي المقابل، يشير الأكاديمي المهتم بقضايا النزاعات في القرن الإفريقي عثمان عز الدين فضل المولى إلى أن أي صراع محتمل بين البلدين لن تبقى تداعياته محصورة فيهما، نظرًا إلى تشابك المصالح الإقليمية وارتباط أمن البحر الأحمر بحركة التجارة والموانئ والممرات البحرية.
ويؤكد هذا التداخل أن أي اضطراب واسع في المنطقة قد تكون له انعكاسات تتجاوز أطراف الأزمة المباشرين، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري موحد بين الدول المتأثرة بالتطورات.
ويرى فضل المولى أن التوصل إلى ترتيبات قانونية وتجارية تضمن لإثيوبيا وصولًا مستقرًا إلى الموانئ، سواء عبر التفاوض مع إريتريا أو تنويع خياراتها البحرية، يمثل مسارًا يمكن أن يقلل من مخاطر المواجهة العسكرية وتكاليفها.
فالوصول المستدام إلى الموانئ لا يرتبط بالسيطرة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية واتفاقات تشغيل ونقل وضمانات متبادلة واستقرار أمني طويل الأمد.
إريتريا تتمسك بالسيادة وتتحرك دبلوماسيًا
من جانبه، يرى الباحث الإريتري في شؤون القرن الإفريقي لوؤل ألم سقد أن تصاعد التوتر لا يمكن فصله عن الخطاب الإثيوبي بشأن ضرورة الوصول إلى البحر الأحمر، محذرًا من أن تحويل هذا الملف إلى أداة ضغط عسكري قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز الخلافات القائمة.
ويشدد سقد على أن حق إثيوبيا في الوصول التجاري إلى الموانئ لا يمنحها حق امتلاك الأراضي الإريترية أو فرض السيطرة على ميناء عصب، مؤكدًا أن مستقبل استخدام الميناء يجب أن يُحسم من خلال اتفاقات متبادلة تحترم سيادة الدولتين.
كما يرى أن تحرك أسمرة على المستوى الدولي، بما في ذلك اللجوء إلى مجلس الأمن، يستهدف حشد الضغوط الدبلوماسية لمنع اتساع الأزمة، بالتوازي مع تعزيز الاستعدادات الدفاعية.
ويظل التحدي أمام إريتريا متمثلًا في حماية حدودها وسيادتها، مع تجنب الانجرار إلى حرب طويلة قد تستنزف مواردها وتفتح المجال أمام تدخلات إقليمية أوسع.
البحر الأحمر.. مصالح متشابكة ومسؤولية مشتركة
لا يمكن فصل الأزمة الإثيوبية الإريترية عن المشهد الأوسع في القرن الإفريقي، حيث تتداخل قضايا الأمن القومي
والتجارة والموانئ والتنافس الإقليمي.
فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي، بل شريان حيوي لحركة التجارة الدولية، وتنعكس أي اضطرابات فيه على سلاسل الإمداد وتكاليف النقل وأمن الطاقة والتبادل التجاري بين آسيا وأوروبا.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على استقرار المنطقة يتطلب التزامًا واضحًا باحترام السيادة الوطنية والحدود المعترف بها، إلى جانب فتح مسارات تفاوضية تتيح معالجة الاحتياجات الاقتصادية والتجارية للدول الحبيسة دون المساس بحقوق الدول الساحلية.
كما تبرز أهمية دور المؤسسات الإقليمية والدولية في منع سوء التقدير العسكري، واحتواء الخلافات، وتوفير ضمانات متبادلة تحول دون تحول التنافس على الموانئ إلى صراع مسلح مفتوح.
الخلاصة.. هل تنتصر الدبلوماسية أم تفرض الجغرافيا اختبارًا جديدًا؟
يقف ميناء عصب اليوم في قلب معادلة استراتيجية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حاجة إثيوبيا إلى منافذ بحرية مستقرة مع تمسك إريتريا بسيادتها الوطنية، وسط تحركات عسكرية متسارعة وضغوط دولية تستهدف منع اتساع نطاق المواجهة.
ورغم أن احتمال استهداف الميناء عسكريًا لم يثبت بوصفه قرارًا إثيوبيًا معلنًا، فإن استمرار التصعيد يفرض ضرورة التعامل مع المخاطر بجدية، دون تحويل السيناريوهات المحتملة إلى وقائع محسومة.
إن الاختبار الحقيقي أمام أديس أبابا وأسمرة لا يتمثل فقط في موازين القوة العسكرية، بل في القدرة على إدارة الخلافات عبر الحوار والاتفاقات القانونية واحترام الحدود.
فإثيوبيا تحتاج إلى حلول مستدامة تضمن مصالحها التجارية، وإريتريا تتمسك بحقها في حماية أراضيها وموانئها، بينما تحتاج المنطقة بأكملها إلى تجنب حرب جديدة قد تتجاوز كلفتها حدود البلدين.
وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع الجغرافيا والتاريخ، تبقى الدبلوماسية الطريق الأقل كلفة، ويظل احترام سيادة الدول الضمان الأساسي لحماية أمن البحر الأحمر ومنع انزلاق القرن الإفريقي إلى مواجهة مفتوحة.

