كتب : د. عبد الرحيم ريحان
لم تكن حماية حدود الوطن في التاريخ المصري مقتصرة على مواجهة الأعداء داخل الأراضي المصرية، بل أدرك المصريون منذ آلاف السنين أن أمن البلاد يرتبط بتأمين حدودها الخارجية ومواجهة التهديدات قبل وصولها إلى قلب الوطن.
ففي البداية، ارتبطت العقيدة العسكرية المصرية بالدفاع عن البلاد في مواجهة الغزاة، لكن بعد تجربة احتلال الهكسوس لمصر، شهدت العقيدة العسكرية تحولًا مهمًا، تمثل في الانتقال من الدفاع داخل الحدود إلى ملاحقة مصادر التهديد خارجها، بما يضمن حماية الدولة واستقرارها.
ويعكس هذا التحول التاريخي أهمية تأمين المحيط الإقليمي، وهو ما يبرز في الاستراتيجيات الأمنية الحديثة التي تولي اهتمامًا بأمن العمق العربي والأفريقي، وحماية المصالح المصرية المرتبطة بمنابع النيل والحدود الغربية.
طريق حورس الحربي.. بوابة مصر الشرقية
من أجل تأمين الحدود الشرقية وتحقيق القدرة على التحرك العسكري خارج البلاد، أنشأ المصري القديم طريقًا حربيًا محصنًا عبر شمال سيناء، عُرف باسم طريق حورس الحربي، الذي لعب دورًا عسكريًا وتجاريًا بارزًا في تاريخ مصر القديمة.
وعُرف هذا الطريق أيضًا باسم طريق سيتي الأول، رغم أن استخدامه سبق عصر الملك سيتي الأول، إذ مرت عبره جيوش مصرية في حملات عسكرية كبرى استهدفت تأمين الحدود الشرقية ومواجهة القوى المعادية.
وكان الطريق يمتد من منطقة قلعة ثارو، بالقرب من تل حبوة بشمال سيناء، وصولًا إلى أرض كنعان، بطول يُقدَّر بنحو 222 كيلومترًا، وضم مجموعة من القلاع والتحصينات التي أسهمت في حماية الحدود المصرية وتأمين تحركات الجيوش.
ومثّلت قلعة ثارو نقطة انطلاق رئيسية للجيوش المصرية المتجهة شرقًا، إلى جانب دورها التجاري، حيث اشتملت المنشآت العسكرية على مخازن للحبوب وآبار للمياه ومساكن للجنود والضباط.
كما يوثق نقش الملك سيتي الأول، الموجود بمعبد الكرنك، عددًا من القلاع العسكرية الممتدة على طول الطريق الحربي بشمال سيناء ويشير إلى شبكة دفاعية متكاملة ارتبطت بتأمين الحدود الشرقية خلال عصر الدولة الحديثة، ولا سيما الأسرتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة.
تحتمس الثالث ومعركة مجدو.. عبقرية التخطيط العسكري
يُعد الملك تحتمس الثالث، أحد أبرز ملوك مصر القديمة وقادتها العسكريين، إذ ارتبط عهده بسلسلة من الحملات العسكرية التي عززت النفوذ المصري خارج الحدود.
وتُعد معركة مجدو، التي وقعت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، من أشهر المعارك في تاريخ مصر القديمة، حيث واجه الجيش المصري تحالفًا من القوى الآسيوية بقيادة أمير قادش، في محاولة لوقف التوسع المصري في بلاد الشام.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن تحتمس الثالث قاد جيشه عبر سيناء باتجاه غزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التحركات العسكرية المصرية خارج الحدود، وصولًا إلى منطقة مجدو.
وقبل المعركة، واجه الملك قرارًا عسكريًا صعبًا بشأن اختيار الطريق المؤدي إلى مجدو، إذ كانت هناك ثلاثة مسارات رئيسية، من بينها ممر ضيق ووعر يمر عبر منطقة جبلية، بينما اتسم المساران الآخران بسهولة أكبر في الحركة.
ورغم تحذيرات قادته من مخاطر الطريق الضيق، اختار تحتمس الثالث هذا المسار، مستفيدًا من عنصر المفاجأة، إذ لم يكن يتوقع الخصم أن يسلك الجيش المصري طريقًا بهذه الصعوبة.
وتقدم الملك جيشه، وأشرف على تنظيم القوات وتحركاتها، حتى تمكن المصريون من الوصول إلى ساحة المعركة ومواجهة التحالف المعادي.
وانتهت المعركة بانتصار الجيش المصري، الذي فرض حصارًا على مجدو وأجبر خصومه على الاستسلام لاحقًا، لتصبح هذه المواجهة إحدى المحطات المهمة في تاريخ العسكرية المصرية، ودليلًا على أهمية التخطيط والمناورة والمبادرة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
عين جالوت.. عندما أوقف المصريون زحف المغول
بعد قرون طويلة من معركة مجدو، شهد التاريخ مواجهة أخرى خارج الحدود المصرية، كان لها تأثير كبير في مستقبل المنطقة وهي معركة عين جالوت عام 1260م، التي خاضها الجيش المملوكي بقيادة السلطان سيف الدين قطز، وبمشاركة الأمير ركن الدين بيبرس.
ففي أعقاب اجتياح المغول لعدد من مناطق المشرق الإسلامي، وسقوط بغداد عام 1258م، ثم تقدمهم نحو بلاد الشام، أصبحت مصر أمام تهديد عسكري كبير، ما دفع القيادة المملوكية إلى الاستعداد لمواجهة هذا الخطر خارج الأراضي المصرية.
وتحرك الجيش المملوكي من مصر باتجاه بلاد الشام، عابرًا شبه جزيرة سيناء عبر الطرق التي ربطت وادي النيل بالساحل الشرقي للبحر المتوسط.
وكان تأمين التحرك العسكري عبر سيناء خطوة أساسية لضمان وصول القوات إلى ساحة المواجهة، وتفادي تعرضها للمباغتة خلال عبور المناطق الصحراوية.
وتقدمت قوات الأمير ركن الدين بيبرس في طليعة الجيش ووصلت إلى غزة، حيث وقعت مواجهات مع القوات المغولية، قبل أن يواصل الجيش المملوكي تحركه باتجاه فلسطين.
من غزة إلى عين جالوت.. معركة غيّرت مجرى التاريخ
وصل الجيش المملوكي إلى منطقة عين جالوت بفلسطين، حيث التقى الجيش المغولي بقيادة كتبغا، أحد أبرز قادة المغول في بلاد الشام.
وفي سبتمبر عام 1260م، دارت المعركة التي انتهت بانتصار المماليك، بعد أن نجحوا في استغلال طبيعة الأرض والتخطيط العسكري والمناورة، إلى جانب تماسك القوات وحسن إدارة المواجهة.
وكان لهذا الانتصار أثر بالغ في وقف التوسع المغولي نحو مصر
كما أسهم في استعادة السيطرة المملوكية على أجزاء من بلاد الشام، ومثّل نقطة تحول في الصراع بين المماليك والمغول.
ولم تكن أهمية عين جالوت عسكرية فحسب، بل امتدت إلى أبعاد سياسية وحضارية، إذ عزز الانتصار مكانة الدولة المملوكية، وأوقف تقدم قوة عسكرية كانت قد اجتاحت مناطق واسعة من آسيا وغربها.
دروس التاريخ.. أمن مصر يبدأ من حماية محيطها
تكشف معركتا مجدو وعين جالوت عن جانب مهم من تاريخ العسكرية المصرية، يتمثل في إدراك أهمية مواجهة الأخطار خارج حدود الوطن، عندما تقتضي الضرورة ذلك، لحماية الدولة وصون أمنها.
ففي معركة مجدو، خرج الجيش المصري في عهد تحتمس الثالث لتعزيز نفوذ الدولة وتأمين مصالحها في الشرق، بينما تحرك الجيش المملوكي في عهد السلطان قطز لمواجهة التهديد المغولي في بلاد الشام، قبل وصوله إلى مصر.
وتؤكد هاتان المحطتان التاريخيتان أن أمن الدول لا يرتبط بقوة جيوشها داخل حدودها فحسب، بل يتأثر أيضًا بقدرتها على فهم محيطها الإقليمي، وتقدير مصادر التهديد، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
وهكذا، تظل صفحات التاريخ المصري شاهدًا على أن حماية الوطن مسؤولية تتطلب الوعي والتخطيط والاستعداد، وأن دراسة تجارب الماضي تساعد على فهم التحديات الأمنية والاستراتيجية التي تواجه الدول في الحاضر.


