كتب: د. عبد الرحيم ريحان
شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولًا غير مسبوق في طريقة استغلال المواقع الأثرية، إذ تحولت من مجرد متاحف مفتوحة للزيارة العلمية والسياحية إلى منصات لإقامة الحفلات الموسيقية الضخمة والمهرجانات العالمية. فمن الهرم الأكبر في مصر، إلى مدرج الكولوسيوم في روما، ومعبد أنغكور وات في كمبوديا، ومن البتراء في الأردن إلى ماتشو بيتشو في بيرو، أصبحت هذه المعالم شاهدة على نوع جديد من التفاعل بين التراث القديم والترفيه الحديث.
وأثارت هذه الظاهرة نقاشًا عالميًا حادًا: هل تمثل هذه الحفلات وسيلة مبتكرة لتنشيط السياحة الثقافية وتمويل صيانة المواقع الأثرية، أم أنها تشكل تهديدًا ماديًا ومعنويًا لهذه الكنوز التي لا تُعوَّض؟ وهل تتسم السياسات الدولية بالشفافية والاعتماد على الدراسات العلمية؟ وما طبيعة السياسات المصرية المتعلقة بإدارة المواقع الأثرية، وإلى أي مدى تتسم بالوضوح، أم تعاني غياب البيانات؟
طرحت حملة الدفاع عن الحضارة المصرية هذه الأسئلة على الأستاذة الدكتورة علا العبودي، أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار – جامعة القاهرة.
التجارب الدولية في إقامة الحفلات بالمواقع الأثرية
س: ماذا عن التجارب الدولية في هذا الإطار، وكيف جرى التعامل معها؟
ج: شهد الكولوسيوم الروماني عددًا من الفعاليات الموسيقية التي أثارت نقاشًا واسعًا بين المختصين، منها حفلات راي تشارلز عام 2002، وبول مكارتني عام 2003، وأندريا بوتشيلي عام 2009 داخل مدرج فلافيان، كما أُقيمت حفلات لموسيقى الجاز في المسرح الروماني بمدينة تيفولي.
وبعد هذه الحفلات، فُرضت قيود صارمة على استخدام الكولوسيوم في الفعاليات الترفيهية، بسبب المخاوف من تأثير الاهتزازات على أساساته المتآكلة. واشترطت السلطات الإيطالية أن تكون الحفلات محدودة العدد والجمهور، وأن تعتمد على العروض الهادئة، مثل الموسيقى الصوتية والجاز، مع منع المؤثرات الصوتية العنيفة. كما جرى تركيب أجهزة لقياس الاهتزازات بصورة آنية ومراقبة الموقع بدقة بواسطة فرق متخصصة في الحفاظ المعماري والإنشائي.
وتشير المعلومات المتداولة في هذا السياق إلى أن الاهتزازات الصوتية المرتفعة والمتكررة قد تسهم في إحداث أضرار دقيقة بالمنشآت الأثرية، وهو ما يستدعي الاعتماد على دراسات هندسية متخصصة لتحديد الحدود الآمنة لكل موقع.
أما موقع ماتشو بيتشو، فقد شهد عام 2011 فعاليات احتفالية بمناسبة مرور مائة عام على إعادة اكتشافه، شملت عروضًا موسيقية وأضواء ليزر، بحضور الرئيس البيروفي السابق آلان غارسيا. وأثارت هذه الفعاليات انتقادات من جهات معنية بحماية التراث ومجتمعات علمية، في ظل المخاوف من التأثيرات السلبية للسياحة الجماعية والأنشطة الترفيهية، ما أعاد طرح مسألة فرض قيود صارمة على إقامة الفعاليات داخل الموقع.
وبخصوص معبد أنغكور وات، وهو مجمع ديني ضخم ارتبط بالهندوسية والبوذية، فإنه يستضيف عددًا محدودًا من الحفلات لأغراض ثقافية ودبلوماسية، ومنها حفل لأوركسترا فرنسية عام 2013. وتتولى هيئة «أبسارا» (APSARA) إدارة الموقع، مع فرض ضوابط على الأنشطة المقامة داخله، خصوصًا في المناطق الأكثر حساسية، بما يتناسب مع طبيعته التراثية والدينية. كما تخضع العروض والأنشطة التجارية والتصوير لضوابط تستهدف حماية الموقع والحفاظ على نظامه العام.
وفي بريطانيا، اتخذت الجهات المسؤولة عن إدارة موقع ستونهنج (Stonehenge) إجراءات لتنظيم الفعاليات المرتبطة بشروق الشمس، بما في ذلك تحديد أعداد الزوار، وتقييد استخدام مكبرات الصوت والموسيقى الإلكترونية، وتخصيص مناطق خارج الدائرة الحجرية للأنشطة التي قد تؤثر على الموقع.
وتُعد السياسة الهندية تجاه تاج محل من السياسات الصارمة في حماية المعالم الأثرية. وتخضع المنطقة المحيطة بالنصب لضوابط قانونية وبيئية تستهدف الحد من الأنشطة التي قد تؤثر على سلامته.
كما تدخلت المحكمة العليا الهندية في مناسبات متعددة لتأكيد ضرورة حماية المنطقة المعروفة باسم «منطقة شبه المنحرف حول تاج محل» (Taj Trapezium Zone)، التي تستهدف حماية الموقع من التلوث والأنشطة الضارة. وتؤكد هذه التجارب أهمية إخضاع الفعاليات المقامة بالقرب من المعالم الأثرية لتقييمات دقيقة، قبل السماح بتنظيمها.
التجارب العربية بين تنشيط السياحة وحماية التراث
س: وماذا عن التجارب العربية، وكيف يتم التعامل معها؟
ج: على عكس الدول التي دخلت مجال الحفلات في المواقع الأثرية حديثًا، يمتلك لبنان تجربة رائدة من خلال مهرجان «بعلبك الدولي»، الذي يُعد واحدًا من أقدم المهرجانات الثقافية في المنطقة والعالم. وانطلقت أولى دوراته عام 1956، ليقدم نموذجًا لاستخدام المواقع الأثرية في الأنشطة الثقافية والفنية، في محيط معبد باخوس الأثري، أحد أفضل المعابد الرومانية حفظًا في العالم. ويقدم المهرجان حفلات للطرب العربي والموسيقى الكلاسيكية العالمية.
ومع تحول العُلا في المملكة العربية السعودية، بما تضمه من مواقع تراثية مثل الحِجر، إلى وجهة عالمية للترفيه في إطار رؤية المملكة 2030، أُقيمت منذ عام 2019 فعاليات وحفلات موسيقية عديدة، استضافت فنانين عالميين، من بينهم أندريا بوتشيلي، وأليسيا كيز، وياني، وعمرو دياب.
وتؤكد الجهات المنظمة أهمية حماية المواقع التراثية، مع تطبيق إجراءات تتعلق بتنظيم أعداد الزوار، وإجراء المسوحات الأثرية، ومراعاة التأثيرات البيئية والإنشائية للفعاليات. ويظل نشر البيانات التفصيلية عن إجراءات الحماية والإيرادات المخصصة للصيانة أمرًا مهمًا لتقييم مدى فاعلية هذه السياسات.
أما في الأردن، فقد شهدت البتراء ووادي موسى خلال عامي 2022 و2023 تنظيم حفلات موسيقية لفرق إلكترونية وفناني دي جي عالميين، كما استضافت المنطقة مهرجان «ميدينا» (Medaina Festival) في مايو 2025، وأُقيمت إحدى فعالياته أمام واجهة الخزنة، ما أثار جدلًا واسعًا بعد انتشار مقاطع مصورة اعتبر بعض المتابعين أن السلوكيات والملابس الظاهرة فيها لا تتوافق مع السياق الثقافي المحلي.
وأدت هذه الفعاليات إلى اعتراضات من بعض أفراد المجتمع المحلي والقبائل، فيما حذر خبراء آثار أردنيون من مخاطر تدفق أعداد كبيرة من الزوار إلى الموقع في وقت واحد، وما قد يصاحب ذلك من ضغوط على الأرضيات الرملية والحجر الرملي، فضلًا عن التأثيرات المحتملة للاهتزازات منخفضة التردد الناتجة عن أنظمة الصوت القوية.
وينص قانون الآثار الأردني رقم 21 لسنة 1988، وفقًا لما يُستشهد به في هذا السياق، على حظر إتلاف الآثار أو تخريبها أو تشويهها أو إلحاق الضرر بها. ويمنح الإطار القانوني الجهات المختصة صلاحيات للتدخل عند وجود مخاطر على المواقع الأثرية، بما يتيح اتخاذ إجراءات لمنع الأنشطة التي قد تلحق بها أضرارًا.
الحفلات في المواقع الأثرية المصرية
س: تتمتع مصر بخصوصية في ما يتعلق بهذه الحفلات، التي تستمر رغم تحذيرات المتخصصين. فهل توجد إحصائية تقريبية لهذه الحفلات وأعداد حضورها، خصوصًا أن حدتها زادت منذ عام 2024؟
ج: شهدت المناطق الأثرية المصرية عددًا من حفلات الزفاف والفعاليات الفنية والموسيقية، ويمكن رصد مجموعة من الأمثلة التي أُقيمت منذ عام 2024، مع ضرورة التمييز بين الوقائع المنشورة والأعداد التي لم تُعلن رسميًا.
أولًا: منطقة أهرامات الجيزة
- حفل زفاف أنكور جاين – 26 أبريل 2024: أُقيمت احتفالات الزفاف بالقرب من أبو الهول، واستمرت الاحتفالات المرتبطة بالمناسبة أربعة أيام، وشملت أيضًا حفل عشاء في قصر محمد علي.
- حفل زفاف كريمة رجل الأعمال باسل سماقية – أكتوبر 2024: أُقيمت احتفالات زفاف، ولم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.
- مهرجان Zamna Egypt – أبريل 2025: أُقيمت فعالية موسيقية أثارت انتقادات من بعض المتابعين، ولم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.
- مهرجان EXIT Festival Egypt – أكتوبر 2025: أُقيمت فعالية موسيقية، ولم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.
- حفل أنيما (Anyma) – Quantum Genesys، أكتوبر 2025: أُعلن عن حضور نحو 15 ألف شخص، بينهم 11 ألف سائح أجنبي و4 آلاف مصري. وأوضح منظم الحفل، ربيع مقبل، أن نحو 10,500 أجنبي دخلوا مصر خصيصًا لحضوره، وأن نفقاتهم بلغت نحو 20 مليون دولار. وبدأت أسعار التذاكر، وفقًا للمعلومات المنشورة، من 10 آلاف جنيه مصري.
- مهرجان «صدى الأهرامات» (Pyramids Echo Festival – TPE)، خلال الفترة من 24 إلى 30 نوفمبر 2025: تضمن فعاليات فنية منفصلة، منها حفل عازف البيانو الصيني لانغ لانغ في 24 نوفمبر، وحفل الفنان الكازاخستاني ديماش كودايبرجن في 30 نوفمبر.
- حفلات ديسمبر 2025: شهد الشهر عددًا من الفعاليات الموسيقية، منها حفل عازف التشيللو الكرواتي هاوزر (HAUSER) في 4 ديسمبر، وحفل الثنائي الإيطالي فيديلي (Fideles) في ديسمبر، والذي أشارت المعلومات المتداولة إلى نقله من سقارة إلى الجيزة.
- حفل كاتي بيري (Katy Perry) – 9 ديسمبر 2025: أُقيم حفل خاص لعملاء بنك قناة السويس، ولم يكن مفتوحًا للجمهور العام، وفقًا للمعلومات المنشورة.
- حفل تييستو (Tiësto) – 19 ديسمبر 2025: أُقيم ضمن فعاليات مهرجان EXIT، ولم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور لجميع حفلات هذا الموسم.
- فعاليات GEM Nights: امتدت الفعاليات المرتبطة بالموسم الفني خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، وشملت حفلات لفنانين عالميين، من بينهم برايان آدامز في 13 مارس 2026. كما ورد اسم برايان ماكنايت ضمن الفعاليات، مع الإشارة إلى تاريخ 12 ديسمبر 2025. ولم تُعلن أعداد الحضور بصورة رسمية في معظم هذه الحفلات.
ثانيًا: منطقة سقارة الأثرية
حفل زفاف ليلى أحمد زاهر وهشام جمال – 23 أبريل 2025: أُقيم الحفل في فناء احتفالات مجموعة هرم زوسر الأثرية، وفقًا للمعلومات المنشورة، مع إضاءة الهرم خصيصًا للمناسبة. وكان عقد القران قد أُقيم في قصر محمد علي بالمنيل في اليوم السابق، 22 أبريل.
ولم يُعلن رسميًا عن العدد الدقيق للحضور، وإن أشارت التغطيات الإعلامية إلى حضور عدد كبير من نجوم الفن.
ثالثًا: معابد الأقصر
حفل فرقة أدرياتيك (Adriatique) – Cercle، فبراير 2023: أُقيمت الفعالية في محيط معبد حتشبسوت الجنائزي، الذي يعود تاريخه إلى نحو 3500 عام، على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر. وبلغ عدد الحضور المعلن نحو 3000 سائح.
وتكشف هذه الأمثلة عن أهمية وجود قاعدة بيانات رسمية شاملة تتضمن أسماء الفعاليات، ومواقع إقامتها بدقة، وأعداد الحضور، والتصاريح الصادرة لها، وتقييمات التأثير الأثري قبل إقامتها وبعد انتهائها.
الأضرار المحتملة للحفلات على المواقع الأثرية
س: ما الأضرار الموثقة علميًا التي قد تنتج عن هذه الحفلات؟
ج: يمكن تصنيف المخاطر المحتملة إلى ثلاثة محاور رئيسية:
1. الاهتزازات الصوتية: قد تنتقل الاهتزازات الناتجة عن الأنظمة الصوتية القوية، خصوصًا الترددات المنخفضة، إلى التربة والمنشآت الحجرية. وتختلف درجة التأثير وفقًا لطبيعة الصخور، وحالتها الإنشائية، والمسافة من مصادر الصوت، وشدة الاهتزازات ومدتها وتكرارها. ولذلك لا يمكن تحديد حد آمن موحد لجميع المواقع دون دراسات هندسية متخصصة.
2. اكتظاظ الجمهور والضغط الميكانيكي: قد يؤدي تدفق آلاف الأشخاص إلى أرضيات أثرية غير مصممة لتحمل مثل هذه الكثافة إلى تآكل الأسطح، وتفتت الطبقات السطحية، وزيادة الضغط على بعض المناطق الحساسة، فضلًا عن مخاطر الاحتكاك المباشر بالأعمدة والجدران والمنشآت الأثرية.
3. تأثيرات البنية التحتية والإضاءة: يتطلب إنشاء المسارح والمنصات وتركيب أنظمة الإضاءة أحيانًا تثبيت تجهيزات ثقيلة أو إجراء أعمال في التربة، وهو ما قد يشكل خطرًا على الطبقات الأثرية المدفونة. كما يمكن أن تتسبب بعض أنظمة الإضاءة والليزر في مخاطر تستلزم التقييم وفقًا لطبيعة المواد الأثرية وظروف التعرض، فضلًا عن المخلفات الناتجة عن الفعاليات وصعوبة تنظيفها من بعض المناطق الحساسة.
وإذا وُضعت هذه المخاطر في مقابل المكاسب الاقتصادية، فإن حماية الأثر يجب أن تظل أولوية لا تقبل المساومة. صحيح أن الحفلات قد تسهم في تنشيط السياحة، وزيادة إشغال الفنادق، وتشغيل العمالة المحلية في التنظيم والأمن والنظافة، والترويج العالمي للموقع، لكن هذه المكاسب لا تبرر تعريض التراث الإنساني لأضرار محتملة أو غير قابلة للإصلاح.
موقف اليونسكو من إقامة الحفلات في المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي
س: ما موقف منظمة اليونسكو، خصوصًا أن هذه الاحتفالات تُقام في مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي؟
ج: تؤكد المبادئ الدولية لحماية التراث العالمي ضرورة الحفاظ على القيمة العالمية الاستثنائية للمواقع المسجلة، وإخضاع المشروعات والأنشطة التي قد تؤثر عليها لتقييمات مناسبة، مع إدارة السياحة والازدحام بصورة مستدامة.
كما تناولت مناقشات لجنة التراث العالمي، خلال دورتها الثالثة والأربعين في باكو عام 2019، أوضاع المواقع المهددة وضرورة تقييم التأثيرات البيئية والتراثية للمشروعات الكبرى الواقعة داخل المواقع أو في مناطقها العازلة.
ومن المهم هنا التمييز بين التحذيرات العامة المتعلقة بإدارة السياحة الجماعية وحماية المواقع، وبين التهديد الرسمي بسحب صفة التراث العالمي. فمثل هذه الإجراءات تخضع لمسارات وقرارات رسمية، ولا يصح نسبتها إلى المنظمة في واقعة بعينها دون وثائق واضحة.
وقد ارتبطت المخاوف الدولية بشأن ماتشو بيتشو، على سبيل المثال، بالسياحة الجماعية ومشكلات الإدارة المستدامة للموقع، بينما تتعلق التحديات التي تواجه مواقع التراث الأخرى بظروف مختلفة، قد تشمل النزاعات أو الضغوط العمرانية أو البيئية.
ومع ذلك، فإن غياب بيانات معلنة بشأن التأثيرات المحتملة للحفلات التي تُقام في بعض المواقع الأثرية المصرية يثير تساؤلات مشروعة حول مستوى المتابعة والرقابة، ومدى توافر المعلومات اللازمة لتقييم هذه الفعاليات علميًا. ومن الضروري مطالبة الجهات المختصة واليونسكو بتوضيح الإجراءات المتبعة لحماية المواقع، وتقييم مدى توافق الأنشطة المقامة فيها مع المعايير الدولية.
الشفافية والإفصاح عن بيانات الحفلات في مصر
س: هل تعلن الجهات المسؤولة عن التراث في مصر تفاصيل هذه الحفلات حتى تتمكن منظمة اليونسكو من المتابعة؟
ج: عند مقارنة التجربة المصرية بالتجارب الدولية، تبرز أهمية إتاحة البيانات المتعلقة بتأثير الفعاليات على المواقع الأثرية. فغياب المعلومات التفصيلية عن أعداد الحضور، ومستويات الصوت والاهتزازات، وإجراءات الحماية، وحالة الموقع بعد انتهاء الحفل، يجعل من الصعب تقييم الأثر الفعلي لهذه الفعاليات بصورة علمية مستقلة.
والمطلوب هو إصدار تقارير تشمل:
- دراسات علمية محكمة حول تأثير الاهتزازات على الأحجار الجيرية والرملية.
- تحديد مستويات الصوت والاهتزازات المسموح بها لكل موقع وفقًا لطبيعته الإنشائية.
- تركيب أجهزة لقياس الاهتزازات بصورة آنية أثناء الفعاليات عند الحاجة.
- إعداد تقارير فنية قبل الحفلات وبعدها لرصد أي تشققات أو تآكل أو تغيرات في حالة الموقع.
- حصر أعداد الحضور بدقة وإعلانها للرأي العام.
- وضع ضوابط واضحة بشأن المسافات الآمنة بين منصات الحفلات والعناصر الأثرية الحساسة.
- نشر نتائج تقييمات التأثير الأثري والبيئي، بما يسمح للمتخصصين والباحثين بمراجعتها.
وفي حدود المعلومات المتاحة للجمهور، لا تتوافر بصورة منتظمة تقارير علمية منشورة وشاملة توضح تأثير هذه الحفلات على أحجار الأهرامات أو هرم زوسر أو معبد حتشبسوت، كما لا تتاح بيانات موحدة بشأن الحدود المعتمدة للصوت والاهتزازات، أو نتائج قياسات ما بعد الفعاليات.
ولا يعني عدم نشر هذه البيانات بالضرورة عدم إجراء أي قياسات أو دراسات داخلية، لكنه يؤكد الحاجة إلى الإفصاح عنها، حتى يتسنى تقييم مدى فاعلية الإجراءات المتبعة.
ومن الأمثلة التي تستدعي التوضيح حفل زفاف ليلى أحمد زاهر وهشام جمال في سقارة يوم 23 أبريل 2025، إذ أظهرت الصور ومقاطع الفيديو المتداولة إضاءة الهرم بأضواء ملونة ووجود ضيوف وفرق تنظيم في محيط الفناء الأثري. ومع ذلك، لا تكفي الصور وحدها للحكم على وقوع ضرر إنشائي، بل يتطلب الأمر الإفصاح عن عدد الحضور، ومستوى الصوت، والتدابير الوقائية، ونتائج الفحص الفني للموقع بعد الحفل.
مقترحات للتوفيق بين الاستخدام السياحي وحماية الأثر
س: ما مقترحاتك للتوفيق بين الاستخدام السياحي وحماية المواقع الأثرية؟
ج: في ضوء التجارب الدولية والحاجة إلى تعزيز الشفافية في إدارة المواقع الأثرية المصرية، يمكن اقتراح إطار عمل متوازن يتضمن ما يلي:
1. تقييم مستقل للتأثير الأثري: إجراء تقييم علمي معتمد لكل فعالية بواسطة لجنة مستقلة تضم خبراء في الآثار والترميم والهندسة الإنشائية، إلى جانب الاستعانة بخبراء دوليين عند الحاجة.
2. تحديد المسافات الآمنة: الأصل هو عدم إقامة الحفلات داخل الحرم الأثري نفسه، والاقتصار على الساحات الخارجية والمناطق التي تثبت الدراسات ملاءمتها. ويمكن اعتماد مسافة مبدئية تصل إلى 500 متر في المواقع التي تستدعي ذلك، على أن تحدد المسافة النهائية وفقًا لطبيعة الموقع ونتائج الدراسات الفنية.
3. الحد من شدة الصوت والاهتزازات: وضع حدود قصوى للصوت والاهتزازات وفقًا للدراسات المتخصصة، مع استخدام مكبرات صوت اتجاهية، وأجهزة مراقبة آنية، وإيقاف الفعالية فور تجاوز الحدود المعتمدة.
4. تحديد مدة الفعاليات: وضع ضوابط زمنية واضحة، بحيث لا تتجاوز الفعالية المدة التي تسمح بها طبيعة الموقع وظروفه، مع الحد من الإضاءة الصناعية المكثفة والمؤثرات التي قد تشكل خطرًا على الأثر.
5. تحديد الحد الأقصى للجمهور: وفقًا لدراسات سعة التحمل لكل موقع على حدة، مع الإعلان المسبق عن العدد المسموح به وعدم تجاوزه.
6. تطبيق ممارسات مستدامة: استخدام أرضيات واقية أو أنظمة عائمة تمتص الاهتزازات عندما تثبت الدراسات ملاءمتها، ومنع الحفر أو تثبيت الأعمدة والمنصات في التربة الأثرية دون موافقة فنية صريحة. كما يجب إلزام المنظمين بتقديم تأمين مالي يغطي الأضرار المحتملة، وإجراء فحص مستقل للموقع قبل الفعالية وبعدها، ومنع استخدام الألعاب النارية أو أضواء الليزر متى ثبت أنها تشكل خطرًا على الأثر.
لقد اتخذت دول عدة خطوات لحماية مواقعها الأثرية من مخاطر الاهتزازات والزحف البشري، من خلال وضع ضوابط تتعلق بمستويات الصوت، وأعداد الزوار، والمسافات الآمنة، وإجراءات المراقبة. وتظل الشفافية ونشر البيانات والتقارير الفنية من أهم عناصر نجاح هذه السياسات.
أما في مصر، فإن توفير بيانات علمية دقيقة عن تأثير الحفلات على المواقع الأثرية، وفي مقدمتها الأهرامات وسقارة والأقصر، يمثل ضرورة ملحة. كما أن توضيح موقف الجهات الدولية المختصة، وفي مقدمتها اليونسكو، من هذه الأنشطة يساعد على تعزيز المساءلة وتوحيد معايير حماية التراث.
فناء عيد السد في سقارة.. من الطقوس الملكية إلى قاعة احتفالات
س: ما تعليقك على الصور التي أظهرت ملامسة بعض الحاضرين للأعمدة الأثرية خلال حفل زفاف ليلى أحمد زاهر وهشام جمال؟
ج: إن الصور المتداولة التي تُظهر ملامسة بعض الحاضرين للأعمدة الأثرية تثير مخاوف بشأن الالتزام بقواعد السلوك الواجب اتباعها داخل المناطق الأثرية. فاللمس المتكرر والاحتكاك المباشر قد يسهمان في تدهور بعض الأسطح الأثرية، بحسب طبيعة المواد وحالتها، ولذلك يجب منع هذه الممارسات وتوعية الزوار بخطورتها.
ولا يمكن الجزم بأن جميع الحاضرين لمسوا الأعمدة، أو بأن ضررًا محددًا قد وقع، دون فحص فني موثق، لكن المشاهد المنشورة تفرض ضرورة مراجعة إجراءات التنظيم والرقابة داخل الحرم الأثري.
أما الفناء الذي أُقيم فيه الحفل، فيرتبط بمجموعة هرم زوسر المدرجة ضمن أهم المواقع الأثرية في مصر، ويضم عناصر معمارية مرتبطة بالطقوس الملكية، ومنها طقوس عيد السد التي ارتبطت بتجديد شرعية الملك وإظهار قدرته على مواصلة الحكم.
وفي مصر القديمة، كان عيد السد من الطقوس الملكية المهمة، التي ارتبطت عادة بمرور ثلاثين عامًا على تولي الملك الحكم، ثم تكرارها في مناسبات لاحقة. وكانت هذه الطقوس تعبر عن تجدد القوة الملكية واستمرار قدرة الحاكم على أداء مسؤولياته.
ومن هنا، فإن استخدام الفناء الأثري لإقامة حفل زفاف يستدعي نقاشًا جادًا حول حدود الاستخدام المعاصر للمواقع التاريخية، ومدى ملاءمة الأنشطة الترفيهية لطبيعتها وقيمتها الحضارية.
فالموقع ليس مجرد مساحة مفتوحة يمكن تحويلها إلى قاعة احتفالات، بل شاهد مادي على تاريخ الدولة المصرية القديمة وتطور عمارتها وطقوسها السياسية والدينية. والحفاظ عليه يقتضي وضع حدود واضحة للاستخدام، تمنع أي ممارسات قد تعرض عناصره للتلف أو تنتقص من قيمته التاريخية.
دروس من الماضي: عندما رُفض التصوير حفاظًا على الأثر
ونضرب مثالًا بما يُروى عن موقف مصلحة الآثار المصرية عام 1957، حين رُفض السماح بتصوير أحد مشاهد فيلم «الوسادة الخالية»، بطولة الفنان عبد الحليم حافظ، داخل منطقة أثرية حقيقية، بسبب احتواء المشهد على الكتابة على الحجر، وهو ما عُدّ انتهاكًا لحرمة الأثر وتشويهًا له.
وبحسب هذه الرواية، تمسك المسؤولون بموقفهم دون قبول استثناءات، ما دفع المخرج صلاح أبو سيف إلى إنشاء ديكور في الصحراء يحاكي الطابع الأثري، بما في ذلك الحجر الذي ظهرت عليه الكتابة، وكان جزءًا من الديكور السينمائي.
ويظل هذا المثال، إذا تأكدت تفاصيله من المصادر التاريخية، شاهدًا على أهمية تقديم حماية الأثر على اعتبارات الإنتاج الفني أو الترفيه.
ومن الضروري إعادة النظر في طريقة التعامل مع المواقع الأثرية عمومًا، وفق منهج أكثر صرامة ووضوحًا؛ فالأعمدة والمنشآت الأثرية ليست ديكورات، بل وثائق حجرية تحمل دلائل تاريخية وفكرية، ويجب حمايتها من التلف الناتج عن الضغط المتكرر والاحتكاك وسوء الاستخدام.
توصيات عملية إلى المسؤولين لحماية التراث المصري
س: هل لديكِ توصيات يمكن تقديمها إلى المسؤولين، لعلها تجد آذانًا صاغية لحماية تراثنا من التدمير الممنهج؟
ج: بالطبع، هناك توصيات عملية قابلة للتطبيق، من أبرزها:
أولًا: إلزام الجهات المختصة بالشفافية. يجب على وزارة السياحة والآثار نشر تقارير دورية توضح حالة المواقع الأثرية قبل إقامة الحفلات الكبرى وبعدها، على أن تتضمن رصدًا لأي اعتداءات أو تلفيات، وقياسات الاهتزازات عند إجرائها، وتحليل أي تشققات أو تغيرات طرأت على الموقع.
ثانيًا: تشكيل لجنة علمية مستقلة. تضم اللجنة خبراء في الآثار والترميم والهندسة والمواد، وتتولى متابعة مدى التزام المنظمين بالضوابط والشروط المحددة لإقامة الفعاليات، مع منح الجهات المختصة صلاحيات واضحة لإيقاف أي نشاط يخالف قواعد الحماية، والمطالبة بالتعويض عن الأضرار المثبتة.
ثالثًا: حظر الحفلات داخل الحرم الأثري نفسه. يجب الاقتصار على المناطق الخارجية التي تثبت الدراسات ملاءمتها، وتحديد مسافات آمنة تتناسب مع طبيعة كل موقع، مع إمكان اعتماد مسافة لا تقل عن 500 متر في المواقع التي تستدعي ذلك، وفقًا للتقييمات العلمية.
رابعًا: مطالبة اليونسكو بتوضيح موقفها الرسمي. من الضروري طلب بيان واضح بشأن إقامة الحفلات داخل المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي، وتحديد الضوابط التي ينبغي الالتزام بها، وتطبيق معايير موحدة لحماية التراث دون ازدواجية.
خامسًا: إتاحة المجال للبحث العلمي المستقل. يجب تمكين الأكاديميين والباحثين من إجراء دراسات محايدة وشفافة حول تأثير الصوت والضوء والاهتزازات والتدفقات البشرية على الآثار، ونشر نتائج هذه الدراسات بما يسمح بتحديد الحدود القصوى المسموح بها لكل نشاط.
سادسًا: تخصيص نسبة ثابتة من الإيرادات لحماية الموقع. ينبغي تخصيص نسبة معلنة من إيرادات كل فعالية تُقام في محيط موقع أثري لصالح أعمال الصيانة والترميم والحماية في الموقع نفسه، مع نشر بيانات دورية توضح قيمة المبالغ المحصلة وأوجه إنفاقها.
إن حماية الآثار المصرية مسؤولية وطنية وحضارية، لا تتعارض مع تنشيط السياحة أو الاستفادة الاقتصادية من المواقع التاريخية، لكنها تقتضي وضع ضوابط واضحة تضمن ألا تتحول المكاسب المؤقتة إلى خسائر دائمة.
فالمواقع الأثرية ليست مجرد خلفية للحفلات؛ إنها وثائق حجرية لتاريخ البشرية. وإذا أردنا الاستمتاع بها بطريقة عصرية، فعلينا أن نفعل ذلك بحذر يحفظ صوتها الأصلي، لا موسيقى الحفلات الصاخبة، بل همس آلاف السنين.

