كتب الدكتور : حازم حلمى إبراهيم
دكتوراة الفلسفة فى الاقتصاد - جامعة القاهرة،وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع .
في الوقت الذي تتراجع فيه إيرادات دول كثيرة بسبب الاضطرابات الإقليمية، يؤكد المصريون في الخارج مرة أخرى أنهم خط الدفاع الأول عن استقرار الاقتصاد المصرى، وأحد أهم مصادر قوته وصلابته.
فقد أعلن البنك المركزي المصري يوم 21 سبتمبر 2026 أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج حققت قفزة تاريخية خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2026 لتصل إلى 29.7 مليار دولار مقابل 23.2 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي بنسبة نمو بلغت 28.1%.
أولًا : قفزة تاريخية تؤكد نجاح الإصلاح النقدي :
تحويلات المصريين بالخارج تشهد أفضل فتراتها على الإطلاق.
ففي الشهور السبعة الأولى من عام 2026 فقط سجلت نحو 29.7 مليار دولار بزيادة كبيرة عن العام الماضي.
هذا النمو القوي لم يأت صدفة، بل هو ثمرة مباشرة لقرار تحرير سعر الصرف في مارس 2024 الذي أنهى السوق السوداء وأعاد الثقة في القنوات الرسمية.
فأصبح المصري في الخارج يحول مدخراته عبر البنوك بسهولة وأمان بعد أن كان يتردد في السابق.
والنتيجة أن التدفقات لم تعد موسمية مرتبطة بالأعياد والإجازات، بل أصبحت مُستدامة على مدار العام وتتزايد شهرًا بعد شهر.
ثانيًا: من التحويلات إلى الاحتياطي...... معادلة الاستقرار :
كل دولار يدخل من الخارج يذهب مباشرة لدعم قوة الجنيه واستقرار الأسعار. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتزامن ارتفاع التحويلات مع وصول الاحتياطي الأجنبي لأعلى رقم في تاريخ مصر وهو 57.215 مليار دولار في أغسطس 2026.
هذا الاحتياطي الضخم هو ما مَنَحَ الاقتصاد المصري القدرة التي أشاد بها صندوق النقد الدولي في 21 سبتمبر على امتصاص صدمات الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات الملاحة في باب المندب.
فبينما تعاني دول كثيرة من نزيف الاحتياطي نجد أن مصر تبني احتياطيًا جديدًا كل شهر بفضل أبنائها في الخارج.
ثالثًا : دعم مباشر لملايين الأسر وتحريك للسوق الداخلي :
تكتسب تحويلات العاملين بالخارج أهمية اجتماعية لا تقل عن أهميتها الاقتصادية.
فهي مصدر دخل أساسي لملايين الأسر في كافة محافظات مصر، وتساهم بشكل مباشر في الإنفاق على التعليم والصحة والسكن والاحتياجات المعيشية.
وكل دولار يتم تحويله يتحول داخل الاقتصاد إلى حركة بيع وشراء في السوق المحلي، ويدعم قطاعات العقارات والسلع الاستهلاكية والخدمات، مما يجعلها رافدًا حقيقيًا للنمو الاقتصادي الشامل وليس مجرد عملة صعبة تدخل البنوك.
رابعًا : رسالة ثقة في مستقبل الاقتصاد المصري :
استمرار ارتفاع التحويلات بهذه الوتيرة يعكس ثقة المصريين في الخارج في الإجراءات الإصلاحية التي اتخذتها الدولة، وفي استقرار الجهاز المصرفي وقدرته على تقديم خدمات تحويل سريعة وآمنة وبأسعار منافسة.
كما أن المنافسة بين البنوك المصرية على جذب المدخرات الدولارية عبر شهادات بعوائد تصل إلى 5.3% سنويًا ساهمت في تعزيز هذه الثقة وتشجيع المصريين على إبقاء مدخراتهم داخل القنوات الرسمية.
وفي الختام ............
إن ما حققته تحويلات المصريين بالخارج خلال عام 2026 يؤكد أنها لم تعد مجرد مصدر تقليدي للنقد الأجنبي، بل أصبحت شريان الحياة للاقتصاد المصري وشبكة الأمان التي تحميه من تقلبات الأسواق العالمية واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وتداعيات الحروب الإقليمية.
ومع استمرار الدولة في دعم جهود المصريين بالخارج وربطهم بوطنهم عبر المبادرات المختلفة، فإن هذا المصدر مرشح لتجاوز 50 مليار دولار سنويًا لأول مرة في تاريخ مصر ليظل المصري في الخارج هو السند الحقيقي لوطنه في الداخل.
