نساء لها تاريخ
كتبت - سلسبيل حمد
تخيلوا أن تقف أمامكم أستاذة جامعية تحمل ثلاث براءات اختراع، قضت سنوات من عمرها بين الدراسة والبحث والتجارب العلمية، ثم يكون أول ما يلفت الانتباه إليها ليس علمها، ولا أبحاثها، ولا ما قدمته للجامعة والمجتمع، وإنما غطاء وجهها.
هنا لا تصبح القضية مجرد نقاش حول النقاب، وإنما تصبح القضية الأهم: كيف نرى الإنسان؟ وعلى أي أساس نقيمه؟
الدكتورة نجلاء بنت سعد الردادي نموذج يطرح هذه التساؤلات بقوة عند الحديث عن العلاقة بين المظهر والإنجاز العلمي. فهي أستاذة وباحثة في مجال الكيمياء غير العضوية وتقنيات النانو، وحصلت، وفق المعلومات المتداولة عنها، على ثلاث براءات اختراع في مسيرتها العلمية، من بينها براءة مرتبطة بتقنية النانو وتطبيقاتها.
هذه السيدة لم تصل إلى إنجازاتها العلمية بسبب مظهرها، وإنما بفضل سنوات من الدراسة والبحث والتجارب العلمية، وفكرة تحولت إلى نتيجة تستحق الحماية كاختراع.
وهنا تحديدًا تستحق المسألة أن نتوقف أمامها.
إذا كان معيار العلم هو البحث والإنجاز والكفاءة، فلماذا يصبح المظهر أحيانًا هو أول ما نناقشه قبل أن نتحدث عن علم الباحثة؟
من حق الجامعات والمؤسسات التعليمية أن تضع القواعد التي تنظم العملية التعليمية، وأن تضمن التواصل الأكاديمي السليم، وأن تضع الضوابط المهنية التي تراها ضرورية لطبيعة العمل.
لكن هناك فارقًا بين تنظيم العمل وفق قواعد واضحة وبين تحويل المظهر إلى معيار للحكم على الكفاءة العلمية.
إذا كانت هناك ملاحظات تتعلق بأداء الوظيفة، فليكن النقاش حول أداء الوظيفة.
وإذا كانت هناك ضرورة مهنية محددة، فلتُطرح هذه الضرورة بوضوح، بعيدًا عن الأحكام الشخصية.
أما أن تتحول اختيارات الإنسان في مظهره إلى وسيلة للتقليل من قيمة شهاداته وأبحاثه وإنجازاته، فهنا نحتاج إلى إعادة النظر في طريقة تقييمنا للآخرين.
النقاب في النهاية اختيار يتعلق بالمظهر، بينما براءة الاختراع إنجاز علمي.
وقد يختلف الناس في آرائهم حول النقاب، وهذا أمر طبيعي، لكن الاختلاف في المظهر لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الإنجاز العلمي أو التقليل منه.
فالجامعة ليست مكانًا للحكم على شكل المرأة، وإنما هي مؤسسة للعلم والمعرفة والبحث.
والبحث العلمي لا يقيس قيمة الباحثة بمظهرها، وإنما بما تقدمه من علم وفكر ونتائج.
وبراءة الاختراع لا تُمنح للمظهر، وإنما لفكرة مبتكرة وجهد علمي ونتيجة تستوفي المعايير المطلوبة.
ولهذا فإن قصة نجلاء الردادي تطرح سؤالًا يستحق التأمل:
ماذا نخسر عندما ننشغل بمظهر العالمة أكثر من علمها؟
قد نخسر باحثة متميزة، أو فكرة مبتكرة، أو اختراعًا يمكن أن يخدم المجتمع، وقد نغفل عن أستاذة قادرة على ترك أثر إيجابي في أجيال من الطلاب.
كما أن طريقة تعامل المجتمع مع المرأة الباحثة يمكن أن تؤثر في نظرة الأجيال الجديدة إلى مستقبلها العلمي. والأفضل أن تكون الرسالة واضحة: التميز العلمي حق للجميع، والإنجاز يُقاس بالكفاءة والعمل والنتائج.
نحن بحاجة إلى مجتمع يستطيع أن يحترم اختلاف الناس في اختياراتهم، وفي الوقت نفسه يضع العلم والكفاءة في المكانة التي يستحقانها.
فليس مطلوبًا أن نتفق جميعًا على اختيارات بعضنا البعض حتى نحترم أصحابها.
يكفي أن نتفق على قاعدة بسيطة:
الإنسان أكبر من مظهره، والكفاءة لا تُقاس بما يغطي الوجه أو يكشفه، وإنما بما يقدمه العقل والعمل.
وحين نقف أمام ثلاث براءات اختراع، فالسؤال الأهم ليس: ماذا كانت ترتدي صاحبتها؟
بل:
ماذا اخترعت؟ وكيف وصلت إلى هذا الإنجاز؟ وما الذي يمكن أن يضيفه علمها إلى المجتمع؟
إذا كان السؤال الثاني هو الأهم، فقد عرفنا أين ينبغي أن تكون الأولوية.
العلم لا يحتاج إلى مظهر معين حتى يثبت قيمته، والعقل لا يُقاس بما يظهر على صاحبه، وإنما بما يقدمه من معرفة وإنجاز.

