recent
أخبار ساخنة

الآثار تحتاج إلى بنية تحتية ومراكز معلومات وعروض تفاعلية.. لا إلى بالون ثابت

 

كتب - د. عبد الرحيم ريحان

أولًا، نحن مع مشروعات الدولة قلبًا وقالبًا، لمصلحة الأثر والإنفاق عليه في أعمال الترميم والصيانة وغيرها، وتحقيق التنمية المستدامة، ولكن هناك فرق بين استثمار الأثر والاستثمار على حساب الأثر.

أولًا: الاستثمار في الأثر

يتطلب الاستثمار في الأثر توفير البنية التحتية لموقع الأثر، من مياه وكهرباء وصرف صحي، وطرق ومواصلات إلى الأثر تكون ممهدة وآمنة ومزودة بالخدمات، إلى جانب إنشاء مراكز معلومات تخدم السائح.

وقد شاهدتُ هذه المراكز متوفرة بكثرة في برشلونة، وتتضمن بروشورات للمواقع السياحية، وطريقة الوصول إليها، والخدمات المتاحة، والأسعار الخاصة بالمشروبات والأطعمة والهدايا، وخطوط المترو والحافلات. وقد زرتُ جميع معالم برشلونة منفردًا عن طريق مراكز المعلومات.

وقد طبقت الدولة ذلك في مشروع التجلي الأعظم، من خلال إنشاء مركز الزوار الجديد بميدان الوادي المقدس، باعتباره واجهة حضارية لاستقبال الضيوف، على مساحة 3170 مترًا مربعًا، ونقطة استقبال وتوجيه محورية للسائح.

ويضم المركز الخدمات الأساسية، ومنها الاستعلامات، ومكاتب حجز الرحلات والطيران، ومطعم وكافيتريا، وبازارات ومعارض للمنتجات البدوية وطب الأعشاب، وقبة سماوية لمشاهدة أفلام ثلاثية الأبعاد عن تاريخ وروحانيات الموقع، ومناطق انتظار للسيارات والأتوبيسات والعربات الكهربائية، ومنطقة للاستجمام تضم مقاعد للجلوس في الطبيعة وبحيرة صغيرة.

كما يتضمن الاستثمار في الأثر استخدام أحدث التقنيات لتحقيق التفاعل مع الأثر لمختلف الأعمار، كما هو مطبق في المتحف المصري الكبير، من خلال تقنيات تفاعلية حديثة ومتطورة لتقديم تجربة استثنائية للزوار.

ومن هذه التقنيات: الواقع المعزز والافتراضي والمختلط (AR, VR, MR)، حيث يرتدي الزوار نظارات خاصة للتفاعل مع الآثار ورؤيتها بوضوح، مع الشعور بأجواء البيئة القديمة من صوت وضوء.

كما تقدم تقنية الهولوجرام عروضًا ثلاثية الأبعاد لشخصيات تاريخية وملوك، مثل توت عنخ آمون، وكأنها تحاور الزوار، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي تخصيص الجولات بناءً على اهتمامات الزائر عبر تطبيق المتحف، وإتاحة الفرصة للتماثيل لسرد قصصها بطريقة صوتية تفاعلية تناسب كل فئة عمرية.

وبالتالي، فإن الاستثمار في الأثر يحقق إيرادات أعلى، باعتبار أن الصناعات الثقافية والإبداعية، ومنها التراث، تحقق أعلى الإيرادات بحسن استثمارها على مستوى العالم.

ثانيًا: الاستثمار على حساب الأثر

يتضمن الاستثمار على حساب الأثر الاحتفالات والحفلات التي ترصدها لنا الدكتورة علا العبودي، أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بجامعة القاهرة، على النحو التالي:

منطقة أهرامات الجيزة

1- حفل زفاف أنكور جاين – 26 أبريل 2024

أقيم الحفل عند أبو الهول، وشملت الاحتفالات التي استمرت أربعة أيام أيضًا حفل عشاء في قصر محمد علي.

  • عدد الحضور: نحو 130 إلى 150 شخصًا.
  • تكلفة الاحتفالات: نحو 3 ملايين دولار، منها 200 ألف دولار فقط لتأجير المنطقة عند تمثال رمسيس الثاني.

2- حفل زفاف كريمة رجل الأعمال باسل سماقية، صاحب مصانع قطونيل – أكتوبر 2024

لم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.

3- مهرجان Zamna Egypt 2025 – أبريل 2025

لم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.

وهذا المهرجان هو نفسه الذي أثار انتقادات من الجمهور.

4- مهرجان EXIT Festival Egypt 2025 – أكتوبر 2025

لم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور.

5- حفل أنيما (Anyma) «Quantum Genesys» – 10 أكتوبر 2025

  • عدد الحضور المعلن: 15 ألف شخص، منهم 11 ألف سائح أجنبي و4 آلاف مصري.
  • أوضح ربيع مقبل، منظم الحفل، أن نحو 10,500 أجنبي دخلوا مصر خصيصًا لحضور الحفل، وأن نفقاتهم بلغت نحو 20 مليون دولار.
  • أسعار التذاكر: بدأت من 10 آلاف جنيه مصري.

6- مهرجان «صدى الأهرامات» (Pyramids Echo Festival - TPE) – 24 إلى 30 نوفمبر 2025

أقيم المهرجان على مسرح بانوراما الأهرامات، وتضمن ست حفلات منفصلة، من بينها حفل لانج لانج، عازف البيانو الصيني، في 24 نوفمبر، وحفل ديماش كودايبرجن، الفنان الكازاخستاني، في 30 نوفمبر.

7- حفلات ديسمبر 2025 – أربعة مهرجانات في شهر واحد

  • حفل HAUSER – هاوزر: 4 ديسمبر 2025، وهو عازف تشيللو كرواتي.
  • حفل Fideles – فيديليس: 5 ديسمبر 2025، وهو ثنائي إيطالي لموسيقى التكنو، ونُقل الحفل من سقارة إلى الجيزة.
  • حفل Katy Perry – كيتي بيري: 9 ديسمبر 2025، وهو حفل خاص بالعملاء نظمه بنك قناة السويس، وكان مغلقًا.
  • حفل Tiësto – تييستو: 19 ديسمبر 2025، وهو الحدث الأكبر ضمن مهرجان EXIT.

ولم يُعلن رسميًا عن عدد الحضور في جميع هذه الحفلات، باستثناء أن حفل كيتي بيري وُصف بأنه أقيم بحضور عدد محدود من الشخصيات.

موسم حفلات GEM Nights – يناير إلى مارس 2026

  • برايان ماكنايت: 12 ديسمبر 2025.
  • برايان آدامز: 13 مارس 2026.
  • عدد الحضور: لم يُعلن رسميًا، بينما وُصف حفل برايان آدامز بأنه شهد حضور آلاف المتفرجين.

منطقة سقارة الأثرية

1- حفل زفاف ليلى أحمد زاهر وهشام جمال – 23 أبريل 2025

أقيم الحفل في منطقة فناء احتفالات مجموعة هرم سقارة الأثري، أي داخل حرم الأثر، وتمت إضاءة الهرم خصيصًا لهذه المناسبة.

  • عقد القران: في قصر محمد علي بالمنيل في اليوم السابق، 22 أبريل.
  • عدد الحضور: لم يُعلن رسميًا، مع الإشارة إلى حضور عدد كبير من نجوم الفن.

أما حفل Fideles فقد نُقل إلى منطقة الأهرامات وأقيم في 5 ديسمبر 2025.

معابد الأقصر

1- حفل فرقة أدرياتيك (Adriatique) – Cercle – 13 فبراير 2023

أقيم الحفل في محيط معبد حتشبسوت الجنائزي، الذي يعود تاريخه إلى نحو 3500 عام، على الضفة الغربية لنهر النيل في الأقصر.

  • عدد الحضور المعلن: نحو 3 آلاف سائح.



وتشير الدكتورة علا العبودي إلى أضرار هذه الحفلات الموثقة علميًا، استنادًا إلى الدراسات التي أُجريت في إيطاليا والأردن والهند وبريطانيا، ويمكن تلخيص الأضرار في عدة محاور رئيسية:

1- الاهتزازات الصوتية

تنتقل الموجات الصوتية منخفضة التردد، خاصة ترددات الباص، إلى الأساسات الحجرية، لا سيما في الصخور المسامية، مثل الحجر الرملي في البتراء والحجر الجيري في الأهرامات.

وأثبتت بعض الدراسات أن الاهتزازات المرتفعة والمتكررة قد تؤدي إلى أضرار وتشققات دقيقة في المواد الأثرية.

2- اكتظاظ الجمهور

عشرات الآلاف من الأشخاص يمشون ويرقصون على أرضيات أثرية غير مصممة لمثل هذه الضغوط، مما قد يؤدي إلى تآكل السطح وتفتت الطبقات السطحية.

3- البنية التحتية المؤقتة

إنشاء المسارح والمنصات وتركيب الإضاءة الثقيلة قد يتطلب أعمال تثبيت أو حفرًا في التربة الأثرية، وهو ما يستوجب ضوابط صارمة لحماية الموقع.

4- أضواء الليزر

قد تؤدي الإضاءة القوية والمركزة إلى تأثيرات ضوئية وحرارية على بعض الأسطح والمواد الأثرية، بحسب طبيعة المواد وظروف الاستخدام.

5- المخلفات

قد تترك الحفلات مخلفات مختلفة، بما فيها بعض المواد الكيميائية، وهو ما يجعل تنظيف المناطق الأثرية وإعادتها إلى حالتها الأصلية أمرًا يحتاج إلى إجراءات دقيقة.

موقف اليونسكو

تصدر اليونسكو تقارير دورية عن التهديدات التي تواجه المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي.

وفي عام 2019، وضعت المنظمة مبادئ توجيهية للسياحة المستدامة تؤكد أهمية أن يساهم تطوير السياحة والأنشطة السياحية في حماية مواقع التراث وألا يلحق بها ضررًا، كما دعت إلى إدارة الازدحام والتخطيط الدقيق للبنية التحتية، بما يضمن عدم تأثيرها سلبًا على القيمة العالمية الاستثنائية للمواقع.

كما تناولت مناقشات لجنة التراث العالمي في دورتها الثالثة والأربعين، التي عقدت في باكو عام 2019، أوضاع المواقع المهددة وضرورة تقييم التأثيرات البيئية والتراثية لأي مشروعات كبرى تقع ضمن مناطقها العازلة.

وتؤكد الدكتورة علا العبودي أنه من المفارقات أن منظمة اليونسكو، التي تصدر تقارير بشأن الحفلات والأنشطة التي قد تهدد المواقع الأثرية حول العالم، وتهدد بسحب التصنيف من دول مثل بيرو وكمبوديا، لم تصدر، حتى الآن، تصريحًا بخصوص الحفلات التي تقام في منطقة أهرامات الجيزة، وكذلك الحفلات التي تقام في سقارة والأقصر.

وترى أن هذا الصمت يثير تساؤلات حول مدى اتساق المعايير المطبقة على المواقع الأثرية المختلفة حول العالم.


البالون.. استثمار على حساب الأثر

من هذا المنطلق، جاء رفض حملة الدفاع عن الحضارة المصرية برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان لمشروع البالون، قلبًا وقالبًا، للأسباب التالية:

1- مخالفة طبيعة الموقع الأثري

أي مشروعات تطوير أو خدمات في منطقة مسجلة ضمن التراث العالمي يجب أن تلتزم بمعايير اليونسكو، وفي مقدمتها الحفاظ على أصالة الموقع وقيمته الاستثنائية، وعدم الإضرار بطبيعته الأثرية أو الجيولوجية، مع ضرورة التنسيق بين إدارة المنطقة الأثرية والجهات المتعاملة معها، كالمرشدين والشركات والمجتمع المحلي.

ويرى الكاتب أن المشروع لم يُعرض على اليونسكو، ولم يتم التنسيق بشأنه أو إشراك المجتمع المحلي.

2- موقع البالون داخل حرم الأثر

يقع البالون، وفق ما تم الإعلان عنه، في منطقة تبعد نحو كيلومترين عن الأهرامات ونحو 2.2 كيلومتر عن تمثال أبو الهول، وقيل إن الهدف من ذلك هو الحفاظ على الرؤية البانورامية للموقع.

ويرى الكاتب أن هذه المسافة تعني وقوع البالون في قلب حرم الأثر، الذي يعامل معاملة الأثر وفقًا لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته، مشيرًا إلى المادتين 19 و45 من القانون.

3- الهرم رمز لمصر

الهرم يمثل رمزًا خاصًا لمصر، مرتبطًا بالهوية محليًا، كما يمثل رمزًا عالميًا يرتبط باسم مصر.

والمقصد الأول لكثير من زوار مصر هو الأهرامات، باعتبارها قيمة عالمية استثنائية وتفردًا لمصر، وباعتبار الهرم العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع القديمة.

ويرى الكاتب أن الزائر يستطيع ركوب البالون في أي مكان آخر في مصر يتمتع بطبيعة سياحية وترفيهية، بينما لا يستطيع زيارة الهرم إلا في موقعه الأصلي.

4- الحفاظ على الهوية البصرية

لبانوراما الأهرامات طبيعة خاصة من حيث الهوية البصرية.

ويرى الكاتب أن رؤية الأهرامات من خلال الواجهة الزجاجية في المتحف المصري الكبير أكثر قيمة وجمالًا وإبداعًا ورقيًا من رؤيتها عبر بالون ثابت.

ويضيف أن الإطلالة البانورامية الفريدة والمباشرة على أهرامات الجيزة الثلاثة من خلال المتحف المصري الكبير تكفي لاحترام الهوية البصرية للمكان، ولا حاجة إلى إضافة البالون.

5- «ده النيل وده الهرم.. دي مصر يا عبلة»

هناك كلمة شهيرة للفنان محمود ياسين في فيلم «الصعود إلى الهاوية»، بعد القبض على الجاسوسة المصرية خارج مصر، التي أدت دورها الفنانة مديحة كامل، وأثناء العودة إلى مصر بالطائرة وبداية الهبوط، حين ظهر النيل والهرم.

قال لها العبارة الخالدة المحفورة في وجداننا بحروف من نور:

«ده النيل وده الهرم.. دي مصر يا عبلة»

فلو أُعيد الفيلم في وجود البالون، فهل يجوز أن يقول لها:

«ده النيل وده البالون.. دي مصر يا عبلة»؟

6- هل نضيف هرمًا رابعًا؟

نحن نفتخر بأن لدينا ثلاثة أهرامات كبرى في مصر، بخلاف الأهرامات الصغيرة، التي يصل عددها إلى نحو 138 هرمًا.

وبناة الأهرامات الثلاثة هم: خوفو، وخفرع، ومنكاورع.

فهل يليق أن نضيف إليهم هرمًا رابعًا باسم:

«بالون رع»؟

google-playkhamsatmostaqltradentX