recent
أخبار ساخنة

النجاح ليس أن تجد من يقرضك كل مرة.. بل أن تبني اقتصادًا يجعلك أقل احتياجًا إلى من يقرضك


 

كتبت - سلسبيل حمد

تخيّل شخصًا كلما انتهى راتبه قبل نهاية الشهر، لم يفكر في سبب ذلك، وإنما بدأ يبحث عمّن يسد له العجز.

يمر الشهر التالي، وتتكرر الحكاية.

ثم يصبح الاقتراض عادة، ويصبح السداد موعدًا مؤجلًا ويصبح جزء من الدخل القادم محجوزًا قبل أن يصل أصلًا.

في الظاهر، حياته مستمرة.

لكن في الحقيقة، هو لا يتقدم… بل يؤجل فقط لحظة المواجهة.

وهذه واحدة من أخطر المشكلات التي يمكن أن تصيب أي مشروع أو مؤسسة أو اقتصاد: أن يصبح الحصول على المال أسهل من إصلاح الطريقة التي يُدار بها المال.

فالتمويل يستطيع أن يطفئ حريقًا، لكنه لا يمنع نشوب الحريق مرة أخرى.

ويمكنه أن يمنحك وقتًا إضافيًا، لكنه لا يمنحك بالضرورة قدرة إضافية.

وهنا يجب أن نفرق بين شخص يحتاج إلى المال لأنه أمام فرصة تستحق الاستثمار، وشخص يحتاج إليه لأن ما يملكه لا يكفي لتغطية ما يستهلكه.

الأول يستخدم المال لكي يكبر.

والثاني يستخدم المال لكي يستمر.

والفرق بينهما قد يبدو بسيطًا في البداية، لكنه مع الوقت يصنع نتيجتين مختلفتين تمامًا.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: كم تستطيع أن تقترض؟

السؤال الحقيقي هو: ماذا تستطيع أن تبني بحيث لا تضطر إلى الاقتراض مرة أخرى؟

هذه هي النقلة التي تغيّر الحسابات كلها.

أن تبحث عن مصدر دخل جديد بدلًا من مصدر تمويل جديد.

أن تزيد قدرتك على الإنتاج بدلًا من زيادة قدرتك على الاستدانة.

أن تراجع المصروف قبل أن تبحث عن قرض.

أن تسأل: لماذا تتكرر الفجوة؟ بدلًا من أن تسأل: من يستطيع تغطيتها؟

فالمال الذي يأتي من الخارج قد يحل مشكلة اليوم، لكن القدرة التي تُبنى من الداخل يمكن أن تحميك من مشكلة الغد.

ولهذا، فإن أفضل استخدام للتمويل ليس أن يجعل العجز يبدو أقل، وإنما أن يساعد على بناء شيء يجعل العجز نفسه أقل احتمالًا.

مصنع ينتج أكثر.

مشروع يبيع في سوق جديدة.

منتج ينافس خارج حدوده.

فكرة تتحول إلى إيراد.

وموارد كانت موجودة بالفعل، لكنها لم تكن تُدار بالكفاءة التي تستحقها.

هنا يتحول المال من «مبلغ يتم إنفاقه» إلى قدرة اقتصادية جديدة.

وهذا هو الفارق بين المال الذي يمر من يد إلى يد، والمال الذي يترك وراءه أصلًا منتجًا.

والأخطر في الاعتماد المستمر على الاقتراض أن الإنسان قد يعتاد وجود حل سريع، فيتوقف عن البحث عن الحل الأصعب والأبقى.

والحل الأصعب غالبًا ليس الحصول على المال، وإنما إصلاح طريقة صناعة المال.

قد يحتاج ذلك إلى قرارات مؤلمة، وإلى التخلي عن إنفاق اعتدنا عليه، وإلى إغلاق أبواب لا تحقق عائدًا، وإلى توجيه الموارد نحو ما ينتج بدلًا مما يستهلك.

لكن هذا هو الطريق الذي يجعل الاستقلال المالي ممكنًا.

فالذي يملك قدرة على الإنتاج، يملك شيئًا يمكنه أن يبدأ منه كل مرة.

أما الذي يملك فقط قدرة على الاقتراض، فيظل محتاجًا إلى أن يفتح أحدهم له الباب في كل مرة.

ومن هنا يصبح النجاح مفهومًا مختلفًا.

ليس النجاح أن تكون لديك قائمة طويلة بأسماء من يمكنهم مساعدتك ماليًا.

النجاح أن يأتي يوم تنظر فيه إلى أرقامك، فتكتشف أنك لم تعد تحتاج إلى السؤال:

من سيقرضني؟

بل أصبحت تسأل:

ماذا يمكنني أن أنتج أكثر؟

عند هذه النقطة فقط يبدأ الاقتصاد في الوقوف على قدميه.

لا لأن المال اختفى من حوله، وإنما لأن الحاجة إليه لم تعد هي التي تقود قراراته.

فالاقتراض يمكن أن يكون أداة ذكية عندما يُستخدم لبناء قدرة جديدة.

لكن عندما يصبح هو الحل المتكرر لعجز متكرر، فالمشكلة لم تعد في نقص المال.

المشكلة في أن المال لم يعد قادرًا على إنتاج نفسه.

ولهذا، فإن النجاح الحقيقي ليس أن تجد من يقرضك كل مرة، بل أن تبني اقتصادًا يجعلك، مع كل عام يمر، أقل احتياجًا إلى من يقرضك.

google-playkhamsatmostaqltradentX