recent
أخبار ساخنة

من القطن إلى العلامة العالمية... هل تستطيع مصر أن تصبح قوة نسيجية عالمية؟


 

هنا اقتصاد يصنع

بقلم : نيللي الحمزاوي

خريطة الطريق من صناعة تُصدّر... إلى صناعة تقود

هذا المقال يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا عن كل ما سبق؛ فلا نعيد فيه شرح مراحل صناعة النسيج مرة أخرى، وإنما نقف فوق الصورة كاملة، لنجيب عن سؤال واحد:

إذا كانت مصر تمتلك القطن، والمصانع، والخبرة، والأسواق والموقع الجغرافي المتميز... فما الذي يمنعها من بناء منظومة نسيجية عالمية متكاملة؟

أولًا: ماذا حققت مصر بالفعل؟

لنضع أمام القارئ الصورة بالأرقام؛ فقد بلغت صادرات المكونات الرئيسية لقطاع الغزل والنسيج والملابس نحو 5.2 مليار دولار خلال عام 2025، مع نمو ملحوظ في صادرات الملابس الجاهزة.

وهذا يعني أن مصر لا تبدأ من نقطة الصفر، بل تمتلك قاعدة صناعية وخبرات تراكمية وأسواقًا تصديرية يمكن البناء عليها.

لكن السؤال الأهم ليس: كم نصدر؟

بل: كم تبلغ القيمة التي نحتفظ بها داخل مصر من كل منتج نصدره؟

ثانيًا: أين تقف الفجوة؟

هنا يجب أن نكون أكثر صراحة.

رغم الإمكانات الكبيرة، لا تزال هناك فجوات في بعض مراحل سلسلة الإنتاج، إلى جانب الاعتماد على استيراد جزء من المدخلات ومستلزمات الإنتاج.

كما تحتاج الصناعة إلى مزيد من الاستثمار في التكنولوجيا، والتصميم، والجودة، واللوجستيات، والبحث والتطوير، حتى تتمكن من الانتقال من المنافسة على أساس التكلفة إلى المنافسة على أساس القيمة والجودة والابتكار.

ثالثًا: ماذا يعني «التكامل الحقيقي»؟

يمكن تصور المنظومة المتكاملة على النحو التالي:

قطن → حلج → غزل → نسيج → صباغة وتجهيز → ملابس ومفروشات وسجاد → مستلزمات إنتاج → علامة تجارية  تصدير.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هنا:

أين توجد القيمة التي ما زالت تخرج من مصر بدلًا من أن تُصنع داخلها؟

فالتكامل الحقيقي لا يعني فقط وجود المصانع، وإنما يعني أن تكون أكبر نسبة ممكنة من القيمة المضافة موجودة داخل الاقتصاد المصري، من المادة الخام وحتى المنتج النهائي والعلامة التجارية.

رابعًا: أين توجد فرص الاستثمار؟

الفرص المستقبلية لا تقتصر على مصانع الملابس الجاهزة، وإنما تمتد إلى قطاعات متعددة، من بينها:

  • الغزل والخيوط المتخصصة.
  • صناعة الأقمشة.
  • الصباغة والتجهيز.
  • المنسوجات التقنية.
  • مستلزمات الإنتاج.
  • إعادة التدوير.
  • الأتمتة والتحول الرقمي.
  • المنسوجات المنزلية.
  • صناعة السجاد.
  • تطوير العلامات التجارية المصرية.

وهنا تظهر فرصة مهمة: الانتقال من تصدير المنتجات إلى تصدير القيمة والمعرفة والعلامة التجارية.

خامسًا: ماذا يجب أن يتغير في طريقة التفكير؟

ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في الرحلة كلها.

لا نريد أن ننتج أكثر فقط... نريد أن ننتج بقيمة أعلى.

لا نريد أن نصدر أكثر فقط... نريد أن نمتلك جزءًا أكبر من القيمة التي نصدرها.

ولا نريد أن نصنع للعالم فقط... نريد أن نمتلك علامات تجارية يشتريها العالم.

فالقوة الصناعية لا تقاس فقط بعدد المصانع أو حجم الإنتاج، وإنما بقدرة الصناعة على الابتكار، وصناعة العلامة، والوصول المباشر إلى المستهلك والأسواق العالمية.

سادسًا: مصر بعد 10 سنوات... كيف يمكن أن تبدو الصناعة؟

هنا ننتقل من قراءة الواقع إلى سيناريو مستقبلي، مع التأكيد على أنه تصور وليس توقعًا مؤكدًا.

تخيل أن تبدأ الرحلة من القطن المصري وتنتهي بعلامة مصرية على رف في نيويورك.

مصانع ذكية تعتمد على الأتمتة والبيانات، وسلاسل توريد محلية أكثر تكاملًا، ومنسوجات تقنية ذات قيمة مضافة مرتفعة، ومصانع أكثر كفاءة واستدامة، وعلامات مصرية قادرة على المنافسة عالميًا إلى جانب التوسع في نماذج التصدير المباشر للمستهلك.

عندها لن يكون الحديث فقط عن «صُنع في مصر»، وإنما عن منتج مصري يحمل هوية وعلامة وقيمة تستطيع المنافسة في الأسواق العالمية.

سابعًا: ماذا نحتاج الآن؟

إذا أردنا تحويل الإمكانات إلى قوة صناعية حقيقية، فهناك مجموعة من الأولويات التي تستحق التركيز، من أبرزها:

  1. تعميق التصنيع المحلي وسد فجوات المدخلات ومستلزمات الإنتاج.
  2. الاستثمار في التكنولوجيا والتحول إلى المصانع الذكية.
  3. تطوير وتدريب العمالة ورفع كفاءة العنصر البشري.
  4. تطوير منظومة الجودة والاعتماد وفق المعايير العالمية.
  5. التوسع في المنتجات المتخصصة ذات القيمة المضافة المرتفعة.
  6. تطوير اللوجستيات وسلاسل الإمداد لزيادة القدرة التنافسية.
  7. دعم العلامات التجارية المصرية وتشجيع وصولها إلى الأسواق العالمية.
  8. زيادة الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار.
  9. ربط الصناعة بالأسواق العالمية والبيانات وفهم اتجاهات الطلب والمستهلك.
  10. تعزيز الاستدامة وإعادة التدوير بما يتوافق مع الاتجاهات العالمية الجديدة في صناعة النسيج.

من «صُنع في مصر»... إلى «يُطلب في العالم»

الصناعة لا تصبح قوة عالمية لأنها تملك تاريخًا عظيمًا فقط

بل لأنها تعرف كيف تحوّل تاريخها إلى مستقبل.

ومصر تمتلك تاريخًا طويلًا في صناعة القطن والغزل والنسيج وتمتلك مقومات جغرافية وبشرية وصناعية مهمة؛ لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المقومات إلى منظومة متكاملة قادرة على إنتاج قيمة أعلى، وبناء علامات أقوى، والوصول إلى المستهلك العالمي مباشرة.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نختم به هذه الرحلة:

هل تستطيع مصر أن تنتقل من «صُنع في مصر»

 إلى «صُنع في مصر... ويُطلب في العالم»؟

google-playkhamsatmostaqltradentX