كتبت - سلسبيل حمد
أحيانًا لا يُغيّر الله الأشخاص من حولنا، بل يغيّر الطريقة التي نراهم بها.
قد يمرّ الإنسان بفترة يرى فيها شخصًا أو موقفًا بصورة مثالية، فيمنحه من ثقته أكثر مما يستحق، ويقرأ تصرفاته بحسن ظنّ زائد، ويبرّر ما كان ينبغي أن يتوقف أمامه طويلًا. ثم تأتي لحظة تنكشف فيها التفاصيل التي لم يكن يراها، فينطفئ ذلك الانبهار فجأة.
وهنا يبدأ السؤال المؤلم: لماذا تغيّر كل شيء؟
ربما لم يتغير شيء في الحقيقة، وإنما تغيّرت قدرتك على الرؤية.
فبعض الانبهار يكون ابنًا للصورة التي صنعناها في أذهاننا، لا لحقيقة من أمامنا. نرى ما نريد أن نراه، ونمنح بعض المواقف تفسيرات جميلة؛ لأننا لم نكن مستعدين بعد لرؤية الجانب الآخر. وحين تنكشف الحقيقة، نشعر وكأن شيئًا سُلب منا، بينما قد يكون الذي سقط فقط هو الوهم.
ليس كل انطفاء خسارة.
هناك أشياء تنطفئ في أعيننا لأن استمرارها كان سيكلّفنا كثيرًا. علاقة كانت تبدو استثنائية، ثم اكتشفنا أنها قائمة على الأخذ أكثر من العطاء. وشخص كنا نظنه سندًا، فإذا به لا يظهر إلا حين يحتاج إلينا. وموقف كنا نفسره بحسن النية، ثم اكتشفنا أن وراءه حسابات لم ننتبه إليها.
في البداية، يؤلمنا اكتشاف الحقيقة؛ لأن الإنسان لا يحزن فقط على ما حدث، بل يحزن أيضًا على الصورة التي صدّقها طويلًا.
لكن مع الوقت، يتحول الألم إلى وعي.
نتعلم ألا نحكم على الناس من أول موقف، وألا نمنح الثقة كاملة لمجرد كلمات جميلة، وألا نخلط بين الطيبة وإلغاء الحدود. نفهم أن المحبة لا تعني أن نتغاضى عن كل شيء، وأن حسن الظن فضيلة، لكنه لا يعني أن نعطّل عقولنا.
النضج ليس أن تصبح أكثر قسوة، بل أن تصبح أكثر دقة.
أن ترى الجميل دون أن تغفل عن العيوب، وأن تقدّر الإنسان دون أن تضعه في منزلة لا يستحقها، وأن تعطي فرصة أخرى عندما يكون هناك ما يستحق، وأن تعرف متى تتوقف عندما يصبح الاستمرار إهدارًا لكرامتك ووقتك.
ولعل أجمل ما في النضج أن الإنسان لا يعود بحاجة إلى كراهية من خذله.
يكفي أن يفهمه.
يفهم لماذا وثق، ولماذا أخطأ في التقدير، ولماذا تأخر في رؤية ما كان واضحًا لغيره. ثم يضع كل شخص في مكانه الحقيقي، بلا انتقام، وبلا ضجيج، وبلا محاولة لإثبات أنه كان على حق.
حينها يصبح انطفاء الانبهار نعمة خفية؛ لأن العين التي كانت ترى الصورة فقط، بدأت ترى الإنسان كما هو.
وقد تكون بعض الحقائق مؤلمة في بدايتها، لكنها أكثر رحمة من وهمٍ جميل يستنزف العمر.
فليس كل ما فقدناه كان خسارة، وليس كل ما انطفأ في داخلنا كان ينبغي أن يبقى مضيئًا.
أحيانًا يطفئ الله في أعيننا انبهارًا كاذبًا، لا ليملأ قلوبنا بالخذلان، وإنما ليمنح عقولنا فرصة لأن ترى بوضوح.
وحين تنضج البصيرة، لا نبحث عن أشخاص مثاليين، بل عن علاقات صادقة، ومواقف واضحة، وقلوب لا تحتاج إلى كثير من التبرير كي نطمئن إليها.
هناك فرق كبير بين أن ترى الناس بعين الإعجاب، وأن تراهم بعين الوعي.
الأولى قد تصنع الوهم، أما الثانية فتصنع السلام.