كتب : محمود فوزي
هناك خيط رفيع، لكنه شديد الوضوح، يفرّق بين الاختلاف مع إدارة الدولة، وبين السقوط في فخ الخيانة والتخريب.
إن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو الهوية والأمان والكرامة التي تجمعنا، بينما الإدارات والحكومات متغيرة، وتتبدل وتتعاقد عبر الزمن.
والاختلاف في وجهات النظر حول كفاءة الإدارة
أو السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع يسعى إلى التطور والإصلاح. لكن هذا الاختلاف يفقد مشروعيته الوطنية عندما يتحول إلى معول هدم يهدد أركان الدولة ومؤسساتها.
المعارضة الوطنية في مواجهة العمالة والتخريب
أن تختلف في الرأي مع من يدير شؤون البلاد، فهذا حقك وقد يكون تعبيرًا عن حرصك على أن تراها في وضع أفضل.
أما أن تتخذ من هذا الاختلاف ذريعة لـ:
- إنهاك مؤسسات الدولة وتشجيع أعمال الإرهاب والعنف.
- التعاون أو التنسيق مع أعداء الوطن في الخارج لممارسة الضغوط على مجتمعك.
- نشر الشائعات والمعلومات المضللة والتحريض، بما يستهدف أمن المواطن البسيط واستقراره.
فهذا لا يُعد مجرد اختلاف سياسي أو وجهة نظر، بل يتحول إلى سلوك يضر بمصلحة الوطن ويهدد استقراره.
فالاختلاف حول السياسات والإدارة لا يمنح أي شخص تحت أي مسمى، الحق في الإضرار بوطنه أو مؤسساته
أو شعبه.
دروس من التاريخ والواقع
«من يبيع وطنه، لا يجد وطنًا آخر يشتري كرامته.»
إن المتأمل فيما شهدته بعض دول المنطقة يدرك حجم الكارثة التي يمكن أن تنتج عندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع يستهدف مؤسسات الدولة، أو عندما يتم استدعاء التدخلات الخارجية أو دعم الجماعات المسلحة والمتطرفة.
فما كانت النتيجة؟
- ضياع الأمن والاستقرار، وتشريد ملايين المواطنين.
- تراجع دور مؤسسات الدولة والجيش الوطني وظهور الميليشيات والجماعات المسلحة.
- فقدان جزء من السيادة، وتحول المواطن إلى غريب في أرضه، يبحث عن الأمان وسط الفوضى.
- تدمير البنية الأساسية والاقتصاد، وحرمان أجيال كاملة من حقها في حياة مستقرة ومستقبل أفضل.
لقد توهّم البعض أنهم يحاربون «إدارة»، فإذا بهم يساهمون في إضعاف «الوطن» نفسه، وعندما استفاقوا على حجم الكارثة، كان الثمن أكبر من أن يُحتمل.
الخاتمة
الوطن كينونة ثابتة والإدارة متغيرة
يتغير الأشخاص، وتتبدل الحكومات، وتتغير الرؤى والسياسات الإدارية، لكن الوطن يبقى الكيان الذي يجمع الجميع.
لذلك، فإن الحفاظ على الوطن وأمنه ومؤسساته وشعبه مسؤولية مشتركة، ولا ينبغي أن يتحول الخلاف السياسي إلى وسيلة لهدم الدولة أو تمزيق المجتمع.
كن معارضًا لسياسة، وناقدًا لقرار، وصاحب رؤية لإصلاح خلل ما؛ فهذا حق أصيل، بل قد يكون واجبًا وطنيًا عندما يكون هدفه الإصلاح والبناء.
ولكن، إيّاك أن تتجاوز هذا الحد الفاصل، فتتحول المعارضة من وسيلة للإصلاح إلى أداة للهدم، أو تجد نفسك في خندق من يسعى إلى إضعاف وطنك.
فالحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، أما الأوطان فإذا سقطت، دفع الجميع الثمن.
