كتب: د. ضياء الرفاعي
لايف كوتش ومحاضر ومستشار تدريب معتمد
يُعد مشروع «بداية جديدة لبناء الإنسان» مبادرة رئاسية للتنمية البشرية، تهدف إلى الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته ومهاراته، بما يسهم في إعداد أفراد أكثر وعيًا وقدرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن رسالة دور تحفيظ القرآن الكريم لا تقتصر على تعليم كتاب الله وحفظه فحسب، بل يمكن أن تمتد لتشمل بناء شخصية متكاملة، قادرة على التعامل مع الحياة، والتواصل الإيجابي مع الآخرين، واكتشاف القدرات، والاستعداد للمستقبل.
وفي هذا الإطار، كانت لي تجربة تدريبية مميزة داخل دار «الرحيق المختوم» لتحفيظ القرآن الكريم، بقرية ميت محمود التابعة لمركز المنصورة، وذلك بدعوة كريمة من الدكتور هاني راغب والأستاذة دعاء علي عبد العزيز مديري ومشرفي الدار، بهدف تنمية المهارات الشخصية والحياتية، وتعزيز مهارات سوق العمل لدى الفتيات والسيدات المنتسبات إلى الدار.
تجربة مختلفة… لأن الهدف كان أبعد من التدريب
تضم دار «الرحيق المختوم» لتحفيظ القرآن الكريم فتيات وسيدات من أعمار مختلفة، يجتمعن على هدف عظيم، هو حفظ كتاب الله، وهو ما منح هذه التجربة طابعًا خاصًا ومميزًا بالنسبة لي.
فقد كان من الجميل أن نضيف إلى رحلة حفظ القرآن الكريم جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو بناء الشخصية وتنمية المهارات التي تساعد الفتاة على التعامل مع الحياة بثقة ووعي ومسؤولية.
وخلال البرنامج التدريبي، قدمنا مجموعة من المحاضرات والفعاليات التي تناولت عددًا من المهارات المهمة، من بينها:
- مهارات التواصل الفعّال، وكيفية التعامل الإيجابي مع الآخرين.
- تعزيز الثقة بالنفس، وكيف تستطيع الفتاة أن تدرك قيمتها وقدراتها دون غرور أو مبالغة.
- الشخصية الكاريزمية، وكيفية بناء الحضور والتأثير الإيجابي.
- إدارة الوقت بفاعلية، وتحقيق التوازن بين الدراسة
أو العمل، والحياة الشخصية، والالتزامات المختلفة.
- مهارات التعريف بالنفس، وكيف تقدم الفتاة نفسها بصورة جيدة وواثقة.
- المهارات الحياتية ومهارات سوق العمل، بما يساعد الفتيات على الاستعداد بصورة أفضل للمستقبل.
وامتدت هذه التجربة إلى نحو ست محاضرات تدريبية
لم تكن مجرد محاضرات تقليدية تعتمد على التلقين، بل حرصنا خلالها على أن تكون هناك مشاركة وتفاعل وحوار وأنشطة تدريبية متنوعة.
وكان أكثر ما أسعدني خلال هذه التجربة هو مستوى التفاعل والاستجابة من الفتيات؛ فقد لمست لديهن رغبة حقيقية في التعلم، واهتمامًا واضحًا بتطوير الذات واستعدادًا للمشاركة والتعبير عن آرائهن، وهو ما جعل التدريب أكثر حيوية وفائدة.
وكان من الرائع أن أرى كيف يمكن لمهارة بسيطة في التواصل، أو الثقة بالنفس، أو إدارة الوقت، أن تفتح أمام الفتاة مساحة جديدة للتفكير في ذاتها وقدراتها ومستقبلها.
الفتاة تحتاج إلى العلم… وتحتاج أيضًا إلى المهارة
من وجهة نظري، فإن بناء شخصية الفتاة لا يعتمد فقط على المعرفة الأكاديمية أو الدينية، رغم أهميتهما الكبيرة بل يحتاج أيضًا إلى مجموعة من المهارات التي تساعدها على مواجهة تحديات الحياة، والتعامل معها بوعي وثقة.
فالفتاة تحتاج إلى أن تعرف:
كيف تتحدث؟
كيف تعبر عن رأيها؟
كيف تتعامل مع الاختلاف؟
كيف تقول «لا» بطريقة محترمة؟
كيف تتعامل مع الآخرين دون أن تفقد حدودها؟
كيف تقدم نفسها بصورة جيدة؟
كيف تدير وقتها؟
وكيف تؤمن بقدراتها وتعمل على تطويرها؟
وهنا تظهر أهمية مثل هذه المبادرات التدريبية داخل المؤسسات التي تهتم ببناء الإنسان وتنمية قدراته.
مبادرة تستحق التكرار
أعتقد أن ما قامت به إدارة دار «الرحيق المختوم» لتحفيظ القرآن الكريم يمثل نموذجًا جميلًا للمبادرات التي تجمع بين الاهتمام بالجانب الإيماني، وبناء الشخصية وتنمية المهارات الحياتية.
وأتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الدكتور هاني راغب والأستاذة دعاء علي عبد العزيز، على هذه الدعوة الكريمة، وعلى اهتمامهما بتنمية مهارات الفتيات والسيدات داخل الدار.
كما أوجه تحية خاصة إلى كل فتاة وسيدة شاركت في هذه الفعاليات، تقديرًا لتفاعلهن ورغبتهن الصادقة في التعلم والتطوير.
رسالة إلى دور تحفيظ القرآن الكريم
أتمنى أن تتكرر هذه التجربة في المزيد من دور تحفيظ القرآن الكريم، والمؤسسات التعليمية، والمجتمعية.
فحين نساعد أبناءنا وبناتنا على حفظ كتاب الله، ثم نمنحهم في الوقت نفسه مهارات التواصل، والثقة بالنفس، وإدارة الوقت، والتعريف بالنفس، والاستعداد لسوق العمل، فإننا لا نبني حافظًا أو حافظة للقرآن فقط…
بل نساهم في بناء إنسان قادر على أن يحمل ما تعلمه، ويترجمه إلى سلوك وأخلاق، وأثر إيجابي في المجتمع.
وفي النهاية، أستطيع أن أقول إن تجربة دار «الرحيق المختوم» كانت بالنسبة لي تجربة تدريبية وإنسانية جميلة ومثمرة، أسعدني خلالها أن أرى هذا القدر من التفاعل، والرغبة في التعلم والتطوير.
وأتمنى أن تكون هذه التجربة بداية لمبادرات تدريبية أخرى داخل دور تحفيظ القرآن الكريم؛ لأن بناء الشخصية وتنمية المهارات يمكن أن يكونا امتدادًا طبيعيًا وجميلًا لرسالة تحفيظ كتاب الله.


