recent
أخبار ساخنة

وما ينطق عن الهوى.. إن هو إلا وحي يوحى

 


بقلم : سلسبيل حمد


في ذكرى مولد النبي محمد ﷺ، تكثر الكلمات عن المحبة وتمتلئ الصفحات بالصلاة والسلام عليه، لكن هناك سؤالًا يستحق أن نقف أمامه بهدوء: ماذا فعلت هذه المحبة في أخلاقنا؟


فالنبي ﷺ لم يكن مجرد سيرة نقرأها كل عام، ولا اسمًا نردده في المناسبات، وإنما كان إنسانًا عاش بين الناس وجعل من الصدق والرحمة والعفو والأمانة أسلوب حياة.


قال الله تعالى:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾


آية تختصر جانبًا عظيمًا من معنى النبوة؛ فالكلمة التي خرجت من فم محمد ﷺ لم تكن بحثًا عن تصفيق، ولا محاولة لكسب مكانة، وإنما كانت رسالة يؤديها بأمانة.


ولعل أجمل ما يكشف ذلك الموقف الذي جمع بين وجع الأب وصدق النبي.


حين مات ابنه إبراهيم، بكى ﷺ وتألم، فكان أبًا فقد ابنه ولم يحاول إخفاء إنسانيته. وفي اليوم نفسه كسفت الشمس، فقال بعض الناس إن الكسوف حدث بسبب وفاة ابن رسول الله.


كان يمكن أن تمر اللحظة دون تصحيح، وكان يمكن لمثل هذا الاعتقاد أن يرفع مكانته في أعين الناس أكثر، لكنه ﷺ اختار الحقيقة، وقال:


«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته».


هنا لا نرى نبيًا فقط، بل نرى درسًا في الأمانة لا يزال صالحًا لكل زمان.


رجل موجوع، لكنه لم يسمح لوجعه أن يغيّر الحقيقة.


وهذا هو المعنى الذي نحتاجه ونحن نحيي ذكرى مولده ﷺ؛ أن نبحث عن محمد في تفاصيل حياتنا، لا في الكلمات وحدها.


في الصدق حين يكون الكذب أسهل، وفي الرحمة حين يكون القسوة أسرع، وفي العفو حين يكون الانتقام أقرب، وفي حفظ كرامة إنسان لا يملك أن يرد لنا الأذى.


المولد ليس يومًا نحتفل فيه بميلاد رجل عظيم ثم نعود كما كنا، وإنما فرصة لنسأل أنفسنا: هل تركت محبته أثرًا في الطريقة التي نتعامل بها مع الناس؟


فقد يكون الإنسان كثير الصلاة على النبي ﷺ، لكنه يؤذي من حوله بكلمة.


وقد يتحدث طويلًا عن رحمته، ثم لا يرحم ضعيفًا.


وقد يكتب أجمل العبارات عن أخلاقه، ثم يظلم إنسانًا في موقف لا يراه فيه أحد.


وهنا تصبح الذكرى مجرد كلمات، بينما المطلوب أن تتحول السيرة إلى سلوك.


في ذكرى مولده ﷺ، لا نحتاج إلى مبالغة في وصفه فسيرته أبلغ من كل وصف، ولا نحتاج إلى كلمات مستهلكة، فمواقفه ما زالت تتحدث عنه بعد قرون.


يكفينا أن نقترب من أخلاقه قليلًا، وأن نترك في حياة من حولنا شيئًا من الرحمة التي علّمنا إياها.


اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وارزقنا محبته واتباع سنته، واجعل صلاتنا عليه نورًا في قلوبنا وأثرًا في أخلاقنا.


google-playkhamsatmostaqltradentX