recent
أخبار ساخنة

حين تصبح العبودية حرية.. بين يدي سيدي



بقلم : أ.د سمية محمد تحلب
استشاري ورئيس قسم الأطفال

ماذا لو قلت لك إن أجمل حرية يمكن أن تعيشها في الدنيا، تبدأ حين تُسلِّم قلبك لله؟

نحن نخاف النار، ونرجو الجنة، ونسعى إلى رضا الله وكل ذلك من الإيمان. لكن هناك مقامًا أعمق: أن تعرف ربك فتطمئن إليه، وأن تحبه فتستحي أن تعصيه، وأن تثق به حتى حين تأتي الحياة بما لا تفهمه.

أن تصل إلى اللحظة التي تُغلق فيها الأبواب من حولك فتقول بقلب مطمئن:
«لعلَّ الله يدبِّر لي ما لا أراه».

وأن يأتيك البلاء، فلا يعني ذلك أنك لا تتألم، وإنما يعني أنك تعرف إلى مَن تحمل ألمك.

هنا تحديدًا تكتشف المفارقة الكبرى:
أن تكون عبدًا لله، يعني أن تتحرر من كل ما سواه.

حين تنزل بك الشدة وتقول: «الحمد لله»، فأنت لا تنكر ألمك، ولا تتظاهر بالقوة، لكنك تثق بربك.

وحين تأتيك المعصية فتتركها، لا خوفًا من العقاب وحده بل حياءً ممن لم يقطع عنك فضله لحظة واحدة.

والأجمل أن الفقير هو الذي يطرق باب الغني عادةً، بينما ملك الملوك يفتح لنا أبواب رحمته كل يوم، ويغمرنا بنعمه دون أن نستحقها.

يقول الله في الحديث القدسي:

«وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه...»
رواه البخاري.

إنها ليست علاقة خوف فقط؛ إنها علاقة قرب، ومحبة وطمأنينة.

الله يعلم دمعتك التي لم يرها أحد، ويسمع دعاءك قبل أن تُحسن صياغته، ويعلم ما في قلبك حتى حين تعجز الكلمات عن وصفه.

وإذا كان يرزق النملة في ظلمة الليل، فكيف يترك عبدًا رفع يديه إليه؟

تأمل يقين إبراهيم عليه السلام حين قال:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ۝ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ۝ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
الشعراء: 78–80.

حين تسكن هذه الحقيقة قلبك، تتغير نظرتك للحياة.

تفهم أن الباب المغلق قد يكون حماية، وأن التأخير قد يكون لطفًا، وأن المنع قد يخفي وراءه عطاءً لم يأتِ وقته بعد.

نحن نرى لحظة واحدة من المشهد، بينما الله يعلم الحكاية كلها.

لذلك اسعَ، وخذ بالأسباب، وابذل ما تستطيع، ثم اترك النتائج لمن بيده كل شيء.

العبودية لله ليست سجنًا.. إنها الحرية.

أن تتحرر من الخوف من الغد، ومن أسر كلام الناس ومن القلق على الرزق، ومن محاولة إرضاء الجميع.

أن تسعى دون أن تتعلق إلا بالله، وأن تفرح بالنعم دون أن تنسى المنعم، وأن تتألم من البلاء دون أن تفقد يقينك برب البلاء.

عندها فقط تفهم معنى قول الله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
الأنعام: 162.

فيا رب، ارزقنا معرفةً بك تطمئن بها قلوبنا، وحياءً منك يحمينا من المعصية، ويقينًا يهوِّن علينا صعاب الدنيا.

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر.

واجعل خير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.

google-playkhamsatmostaqltradentX