بقلم: محمد أبو سيف
لم تعد ظاهرة «النباشين» وجامعي القمامة غير المنظمين مجرد مشهد غير حضاري يسيء إلى الوجه الجمالي للمدن، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى خطر داكن يهدد البنية التحتية، ويتعدى على سيادة القانون، ويقضّ مضجع المواطنين في عقر دارهم.
إن الفوضى التي يخلفها هؤلاء عبر نبش الحاويات وبعثرة المخلفات في الطرقات ليست سوى السطح الظاهر لقمة جبل الجليد؛ إذ تقبع تحت هذا السطح شبكات عشوائية تتعدى بممارساتها مجرد الجمع العشوائي للمخلفات إلى ارتكاب جرائم مروعة تضر بالأمن العام وتستنزف مقدرات الدولة.
سجل أسود من الجرائم والتجاوزات
تجاوزت سلوكيات بعض النباشين كل الخطوط الحمراء، لتتحول تجمعاتهم في كثير من الأحيان إلى بؤر خارجة عن السيطرة، ومن أبرز الجرائم الموثقة والمرتبطة بهذه الظاهرة:
سرقة المال العام والبنية التحتية: تشهد العديد من الأحياء عمليات نهب منظمة لغطاءات بالوعات الصرف الصحي (الشنايش)، والكابلات الكهربائية، وأعمدة الإنارة، ومحاضن السكك الحديدية، وتفكيك المعادن لبيعها خردة، مما يتسبب في حوادث قاتلة للمواطنين وتكبيد الدولة مئات الملايين لإعادة إصلاحها.
جرائم السرقات المنزلية والمتنوعة: يتخذ بعض النباشين من تجولهم المستمر في أوقات متأخرة من الليل وسيلة لرصد العقارات والسيارات والمنازل الخالية، حيث تُسجل العديد من بلاغات سرقة محتويات السيارات، ومواسير النحاس، وجرس الأبواب، وأثاث العقارات قيد الإنشاء.
الترهيب والاعتداء على المواطنين: يمارس بعض أفراد هذه الفئة أساليب البلطجة وفرض النفوذ على مناطق بعينها، وتتردد العديد من شهادات المواطنين حول تعرضهم للترهيب أو الاعتداء اللفظي والبدني عند محاولة منعهم من بعثرة القمامة أمام منازلهم، فضلاً عن استخدامهم للأدوات الحادة في الملاسنات.
جرائم القتل والمشاجرات الدامية: تخفي بيئة العمل العشوائي للنباشين صراعات محتدمة وفرض سيطرة على "المقالب" والحاويات، وتتطور هذه الخلافات على أولوية الجمع والفرز إلى مشاجرات جماعية بالأسلحة البيضاء، أدت في حالات عدة إلى وقوع قتلى وجرحى سواء بين النباشين أنفسهم أو ضد من يتدخل لفض النزاع.
إيواء الخارجين عن القانون والمخدرات: تشكل بؤر جمع وتدوير الخردة غير الترخيص بؤرًا آمنة لإخفاء المسروقات، إلى جانب اتخاذها منافذ لتعاطي وترويج المواد المخدرة بعيدًا عن الأعين الأمنية.
مواجهة حاسمة وتعميم تجربة الإسكندرية الرائدة
إن الاستهانة بظاهرة النباشين تغذي اقتصادًا موازيًا قائمًا على الجريمة والعشوائية. ولذلك، فإن المواجهة لم تعد تتطلب مجرد حملات نظافة تقليدية أو حلول أمنية منفصلة، بل تتطلب استراتيجية شمولية تجمع بين الردع والاحتواء، وعلى رأسها تعميم تجربة محافظة الإسكندرية الملهمة في إدماج النباشين ضمن منظومة المشاركة المجتمعية والجمع المنظم.
وتستند هذه الرؤية المتكاملة للمواجهة على الأركان التالية:
تعميم نموذج الإسكندرية للمشاركة المجتمعية: التوسع في تجربة عروس البحر الأبيض المتوسط عبر حصر النباشين وتقنين أوضاعهم، وتحويلهم من عناصر عشوائية إلى عمالة رسمية تقود عمليات الفرز من المبدأ تحت مظلة شركات ومؤسسات مجتمعية خاضعة لرقابة الدولة، مما يضمن لهم دخلاً كريمًا ويحرم الشبكات الإجرامية من استغلالهم.
التغليظ الأمني والقانوني: فرض عقوبات رادعة على سرقة المهمات العامة وشراء الخردة مجهولة المصدر، وملاحقة كبار التجار الذين يديرون هذه الشبكات غير الرسمية.
تطوير منظومة الجمع من المبدأ: تفعيل الجمع السكني المباشر من المنازل والمحلات للحد من وصول القمامة إلى الشوارع وتجريد الظاهرة العشوائية من مقومات وجودها.
كثافة المراقبة والدمج: توسيع شبكات الكاميرات في الشوارع الرئيسية والفرعية ضبطًا للمخالفين، بالتوازي مع التغطية التأمينية والصحية لجامعي القمامة النظاميين.
إن حماية الشارع وأمن المواطن مسؤولية تتطلب تكاتف الجهود التنفيذية والأمنية والمجتمعية، واستلهام النماذج الناجحة كـ «تجربة الإسكندرية» للقضاء على هذه الظاهرة من جذورها وإعادة الانضباط والسيادة الكاملة للشارع.




