recent
أخبار ساخنة

صناعة الآلهة الزائفة: عندما يحول النفاق والمديح المسؤول إلى طاغية


 

كتب - محمود فوزي 


منذ أقدم العصور، لم تكن "الآلهة البشرية" أو الجبابرة يولدون بسلطة مطلقَة من اليوم الأول، بل إننا نحن من نصنعهم بأيدينا. نحن الذين نغزل لهم رداء الألوهية ثوباً بعد ثوب، بنسج النفاق، والتعظيم الأعمى، والمديح المبتذل، حتى يستيقظ المسؤول في صباح يوم ما فيرى نفسه فوق مستوى البشر، وفوق النقد، وفوق الحساب.


وهم الرزق وتناسي الفضل الإلهي

يبدأ المنزلق الخطر عندما يتحول أصحاب العمل أو المسؤولون في أذهان بعض المداحين من مجرد أسباب سخرها الله إلى "المُنعمين" الحقيقيين. نرى بذور النفاق تُغرس عندما يُمدح رئيس العمل أو صاحب الشركة وكأنه هو من يرزق العباد، وهو من يهب الحياة والبركة.


يغيب عن هؤلاء المداحين أن الفضل كله لله وحده، وأن الأرزاق بيد خالق السماوات والأرض. قال تعالى:

{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]

إن إسباغ صفات التفضل المطلق على بشر مثلك هو أصل صناعة الطغيان؛ فالمرؤوس الذي يرى وليه أو رئيسه مصدراً للرزق سيفعل أي شيء لمرضاته، حتى لو كان ذلك على حساب الحق والكرامة.


هدي النبوة في مواجهة النفاق

لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الداء دون علاج صارم؛ فقد علم بعمق أن التملق يفسد الممدوح ويذل المادح. وحذرنا أشد التحذير من أولئك الذين يتخذون المديح حرفة ونفاقاً لتبادل المصالح الضيقة.


عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي:

«وَيْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ!» (كررها مراراً)

كما أمرنا عليه الصلاة والسلام بمواجهة هؤلاء النفعيين بكل حزم، حيث قال:

«إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ»


إن المديح الكاذب لا يبني المؤسسات ولا يرفع من شأن العمل، بل يقطع أعناق المسؤولين كبرياءً وعتواً، ويجعلهم يصدقون أنهم معصومون من الخطأ.

الشراكة المتبادلة: العامل ليس معوزاً والصاحب ليس متفضلاً.

إن العلاقة بين صاحب العمل والعامل هي في جوهرها علاقة منفعة متبادلة وقائمة على التكافؤ، بل إن حقيقة الأمر تُظهر أن صاحب العمل غالباً ما يستفيد من عرق العامل وجهده وأفكاره أضعاف ما يتقاضاه العامل من أجر.


جهد العامل: يبني المؤسسة، يرفع الأرباح، ويضمن استمرار العمل.

أجر صاحب العمل: هو مقابل عادل ومنصف لهذا الجهد، وليس هبة أو مكرمة شخصية.

فلماذا يُصوَّر صاحب العمل على أنه "المتفضل الكريَم" والعامل على أنه "التابع الذليل"؟ إنها معادلة مقلوبة يُراد بها استعباد العقول قبل الأجساد.


كلمة أخيرة إلى المداحين المنافقين

أيها المداحون المنافقون، كُفّوا عن هذا التزلف!

إن كنت تبتغي منفعة شخصية أو تخشى على موقعك فذاك شأنك وضغفك البشري، لكن ليس من حقك أن تنصّب بشراً إلهاً على الآخرين. إن نفاقك لا يضرك وحدك بل يصنع طاغية يكتوي بناره الجميع؛ يظن نفسه ممسكاً بأرزاق العباد، ومُنزهاً عن الخطأ، ومفروضاً على الخلق.


دعوا المسؤولين يمارسون إنسانيتهم، ودعوا أصحاب العمل يعلمون أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وأن الفضل والرزق والملك كله لله وحده. ارتقوا بكرامتكم، فما طأطأ أحد رأسه لغير الله إلا وسُلب عزته.

google-playkhamsatmostaqltradentX