recent
أخبار ساخنة

"وادي خشاب" مجمع طقسي فريد بالصحراء الشرقية عمره أكثر من 6 آلاف عام




كتب - د. عبد الرحيم ريحان

في عمق الصحراء الشرقية المصرية، بين تلال البحر الأحمر وعلى امتداد إحدى أقدم المسالك التي ربطت وادي النيل بالبحر، يقبع «وادي خشاب»  أحد أهم وأغرب اكتشافات ما قبل التاريخ، والذي يُعيد رسم فهمنا للحياة الروحية لرعاة العصر الحجري الحديث.

وفى هذا الصدد يوضح الأستاذ الدكتور أبوالحسن بكري أستاذ آثار ما قبل التاريخ  كلية الآثار جامعة القاهرة أن القصة بدأت عندما رصدت الأقمار الصناعية تشكيلات حجرية هندسية وسط الصحراء، ظنها الباحثون في البداية بقايا ثكنة رومانية. لكن حفائر بعثة المركز البولندي لآثار البحر المتوسط (جامعة وارسو) بالتعاون مع وزارة الآثار ومؤسسة «باتريمونيوم»

 (2010–2015) أزاحت الستار عن مفاجأة: الموقع مجمع طقسي وجنائزي يعود إلى النصف الثاني من الألف الخامس قبل الميلاد (حوالي 4300–4000 ق.م) واستمر مقصدًا رمزيًا حتى الألفية الثانية قبل الميلاد والعصر الروماني.

طبيعة الموقع

يوضح الأستاذ الدكتور أبوالحسن بكري بأن الموقع لم يكن قرية سكنية، بل منشأة حجرية ضخمة (Megalithic  Complex)  يصل قطرها إلى 18 متراً تحيط بها ألواح رأسية تُشبه حظائر الماشية "الزريبة" وتنتشر حولها أنصاب وشواهد حجرية كانت تُرى من مسافات بعيدة لتُرشد العابرين. وفي قلب هذا المجمع، عُثر على مدفن بشري رئيسي تعرض للنهب قديمًا غير أن قيمته تتجلى في الدفنات المحيطة به: أبقار وأغنام دُفنت كاملة وبترتيب هندسي دقيق.




الرمزية والدلالة

ويتابع الدكتور أبوالحسن بكري بأن هذه الأبقار لم تكن هذه الأبقار مجرد بقايا طعام، بل أُودعت بكامل هياكلها كجزء من شعائر عقائدية تُبرز تقديس الماشية. أثبتت الدراسات التشريحية أن هذه الأبقار كانت مستأنسة ومحلية، وأظهرت هيكليتها تكيفاً كبيراً مع الترحال الشاق، مما يُعد شاهداً قاطعا لضحد النظريات القديمة ومؤكداً لنشأة استئناس الماشية في إفريقيا وليس مستورداً.


لغز الطفل عند الحافة

من أكثر مكتشفات الموقع غموضًا العثور على مدفن لطفل لم يتجاوز عامه الثاني عند حافة السياج الصخري. 

ورغم أن أثاثه الجنائزي ينتمي لنفس الفترة، إلا أن طبيعة علاقته بالمدفن المركزي أو بقرابين الحيوانات لا تزال سؤالاً مفتوحاً يثير شغف المتخصصين.




وفى النهاية يؤكد الدكتور أبوالحسن بكري أن "وادي خشاب" يثبت أن الصحراء الشرقية لم تكن مجرد ممرات قاحلة، بل شهدت قيام مراكز شعائرية معقدة. 

وإلى جانب مواقع مثل سبخة «نبتة»، يؤكد الموقع أن جذور الرمزية الدينية والاجتماعية للماشية التي تبلورت لاحقًا في الحضارة المصرية القديمة

 (مثل تقديس البقرة حتحور) قد ضربت بجذورها في عمق الصحراء قبل آلاف السنين من قيام الدولة المركزية وبناء الأهرامات.

google-playkhamsatmostaqltradentX