كتبت - منى منصور السيد
اليوم لن أتحدث عن الأخلاق أو الصفات، وإنما سأتحدث عن شخصيةٍ فذة، أعدَّها علماء ومفكرو العالم من أعظم الشخصيات في التاريخ البشري، إنه الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فعندما نستعرض حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجد دلائل العظمة متجلية في كل مراحلها؛ فهو النبي الأمي الذي رباه ربه وعلمه، فأحسن تربيته وتعليمه.
لقد كانت البشرية، قبل بزوغ فجر النبوة، تترنح في دياجير الجهالة، وتتيه في قفار الضياع الروحي والأخلاقي، حتى أشرقت شمس الرسالة المحمدية من وادٍ غير ذي زرع، لتبدد ظلمات القرون، وتعيد صياغة الوجدان الإنساني على قيم الحق والعدل والجمال.
وحين يقف المتأمل أمام مجرى التاريخ البشري، لا يسعه إلا أن ينحني إجلالًا أمام هذه العبقرية الفذة التي لم تجد البشرية لها نظيرًا؛ فما بين أميةٍ نشأت في أحضان الصحراء، وسيادةٍ روحية ودنيوية دانت لها أقطار الأرض، تتجلى المعجزة الإلهية في ذات النبي الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وجعل من سيرته منارةً تستضيء بها العقول، وملاذًا تهتدي به الأرواح في حياته، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
إن تفرد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لم يكن يومًا محل إقرار من أتباعه فحسب، بل كان وما زال موضع دهشة وإعجاب وإقرار لدى فلاسفة الغرب وعلماء الشرق على حد سواء؛ إذ تضافرت شهادات المفكرين والمؤرخين، على اختلاف مشاربهم وعصورهم، لتؤكد أن هذا النبي الأمي بلغ الذروة التي لم تبلغها الإنسانية في تاريخها الممتد.
وفي طليعة هؤلاء، برز عالم الفلك والرياضيات الأمريكي مايكل هارت في كتابه الشهير «الخالدون مائة»، حيث وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة عظماء البشرية، مبررًا هذا الاختيار العلمي بقوله:
«إن اختياري محمدًا ليكون في رأس القائمة قد يدهش بعض القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستويين الديني والدنيوي.» وقد رأى هارت أن الأثر الذي تركه النبي في التاريخ يفوق أثر سائر المصلحين والقادة؛ لأنه أسس دينًا وحضارةً ودولةً في آنٍ واحد.
ولم يكن الفيلسوف والشاعر الفرنسي الكبير ألفونس دي لامارتين أقل انبهارًا، إذ صاغ مقياسًا للعظمة الإنسانية في كتابه «تاريخ تركيا»، فقال: «إذا كانت عظمة الهدف وقلة الوسائل، والنتائج المذهلة هي المعايير الثلاثة لعبقرية البشر، فمن ذا الذي يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ الحديث بالنبي محمد؟» ثم أكد أن النبي محمد هو الفيلسوف، والخطيب، والرسول والمشرع، والمحارب، وهادم الأفكار الباطلة، ومؤسس الفكر العقلاني.
أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، فرغم مواقفه النقدية الحادة تجاه العديد من الأديان والمؤسسات، فقد أبدى تقديرًا للحضارة الإسلامية، وأشاد بما رآه فيها من قوةٍ وحيوية، كما أثنى على قدرة النبي صلى الله عليه وسلم على القيادة وبناء مجتمع مترابط يقوم على الواقعية والانضباط.
وينضم إلى هذا المحفل الفكري المؤرخ والفيلسوف البريطاني توماس كارلايل، الذي خصص فصلًا كاملًا للنبي في كتابه «الأبطال وعبادة البطل»، ودحض فيه كثيرًا من الافتراءات التي وُجهت إلى الرسول، واصفًا إياه بـ«البطل في صورة رسول»، ومؤكدًا أنه لم يرَ فيه إلا الصدق الخالص والإخلاص الكامل.
وفي السياق ذاته، يقدم المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون في كتابه «تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية»، رؤيةً تحليلية لعظمة النبي، مؤكدًا أن ثبات عقيدته ونقاء دعوته إلى التوحيد يمثلان أعظم ما يميز رسالته، وأن هذا الثبات ظل ملازمًا له طوال حياته.
ويرى الكاتب والمفكر الأيرلندي جورج برنارد شو، في كتابه «الإسلام الحقيقي»، أن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في حكمة محمد وعقليته، وقال: «لقد درست حياة هذا الرجل العجيب، وأرى أنه لو تولى قيادة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته بما يحقق السلام والسعادة للبشرية.»
كما أفرد المستشرق الإنجليزي ويليام مونتغمري وات دراساتٍ معمقة لسيرة الرسول، وانتهى إلى أن التشكيك في صدق إخلاصه أمر لا يستقيم مع البحث العلمي، مستدلًا بما تحمله من معاناةٍ في سبيل الدعوة، وما اتسمت به شخصيته من نبلٍ أخلاقي ونجاحٍ استثنائي.
وفي مجال الفكر القانوني والسياسي، أكد المفكر الإنجليزي جون ديفنبورت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من أعظم المصلحين، إذ حرر العقل من الخرافة وأرسى نظامًا تشريعيًا متكاملًا. كما أبدى الفيلسوف الروسي ليو تولستوي إعجابًا كبيرًا بتعاليم الرسول، معتبرًا إياه من أعظم من خدموا الإنسانية، بعدما نقل أمةً كاملة من التناحر والجهل إلى طريق الحضارة والرقي.
إن هذه الشهادات المتواترة، الصادرة عن كبار المفكرين والمؤرخين من غير المسلمين، تؤكد أن العظمة المحمدية حقيقة تاريخية راسخة. فقد رأوا في النبي محمد صلى الله عليه وسلم القائد الذي جمع بين مثالية المبادئ وواقعية التطبيق، والمشرع الذي أرسى دعائم العدالة والإنسان الذي عمَّت رحمته البشرية جمعاء.
فسيظل الحبيب المصطفى، النبي الأمي الذي علمه ربه النموذج الإنساني الأسمى، والقدوة الخالدة التي تهتدي بها الإنسانية في كل زمان ومكان.
ملاحظة تحريرية: إذا كان المقال مخصصًا للنشر في جريدة دايلي برس مصر، فمن المستحسن توثيق جميع الاقتباسات المنسوبة للمفكرين الغربيين، لأن بعض العبارات المتداولة عن شخصيات مثل جورج برنارد شو ونيتشه، وتولستوي محل خلاف من حيث صحة نسبتها أو صياغتها الأصلية، وهو ما يعزز المصداقية الصحفية للمادة.
