كتب : د. عبد الرحيم ريحان
في إنجاز أثري جديد، نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة بموقع عين السبيل الأثري بواحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، في الكشف عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي، شُيدت جميع مبانيها من الطوب اللبن، وذلك في إطار أعمال الحفائر الأثرية الجارية بالموقع
.
وأكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الكشف يُعد إضافة مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية المصرية، إذ يسهم في إبراز التنوع الحضاري الذي شهدته الواحات المصرية عبر العصور المختلفة، لافتًا إلى أن مثل هذه الاكتشافات تثري المقاصد السياحية والأثرية بمحافظة الوادي الجديد، وتدعم جهود الدولة في تنمية المنطقة وتعزيز مكانتها على خريطة السياحة الثقافية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف تكمن فيما يقدمه من معلومات جديدة ودقيقة عن طبيعة الحياة اليومية للمجتمع المصري بواحة الداخلة خلال العصر البيزنطي مشيرًا إلى أن نتائج الحفائر أسهمت في توثيق العديد من الجوانب العمرانية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال تلك الفترة.
وأشار الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، إلى أن المدينة المكتشفة اتبعت تخطيطًا عمرانيًا منظمًا، حيث تضم شوارع رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب، تتقاطع معها شوارع عرضية من الشرق إلى الغرب، مكوِّنة ميادين وساحات مفتوحة، فيما تتوسطها كنيسة بازيليكية تطل على أحد الشوارع الرئيسية.
وأضاف الدكتور محمود مسعود، مدير عام آثار الداخلة ورئيس البعثة، أن المدينة ضمت مختلف العناصر المعمارية اللازمة لمجتمع سكني متكامل، من بينها الكنيسة البازيليكية التي ترجع إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، وبقايا برجين للمراقبة عند أطراف المدينة، إلى جانب حصن ذي أسوار سميكة، ومجموعة من المنازل التي تضم صالات واسعة وأسقفًا مقببة، فضلًا عن أفران للخبز، ومطابخ، وأدوات لطحن الغلال.
ومن أبرز المباني التي تم الكشف عنها منزل "تيسوس" شماس الكنيسة، والذي يرجع إلى النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، ومنزل "تابيبوس"، الذي يعود إلى بدايات القرن الرابع الميلادي، ويُرجح أنه استُخدم ككنيسة منزلية قبل تشييد الكنيسة البازيليكية بالمدينة.
كما أسفرت أعمال الحفائر عن العثور على مجموعة متميزة من اللقى الأثرية التي تعكس جوانب متعددة من الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية لسكان المدينة شملت أواني فخارية للاستخدامات المنزلية، وقنينات لحفظ الزيوت والعطور، ومسارج للإضاءة، بالإضافة إلى بقايا أدوات حجرية استُخدمت في طحن الغلال.
وأضاف الدكتور ضياء زهران أن من أبرز المكتشفات مجموعة كبيرة من الوثائق المكتوبة، تمثلت في نحو 200 قطعة من الأوستراكا المدونة باللغتين القبطية واليونانية، والتي وثقت معاملات البيع والشراء والمراسلات وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
كما عثرت البعثة على عدد كبير من العملات البرونزية بحالة حفظ جيدة، تحمل صورًا للأباطرة البيزنطيين وكتابات لاتينية ورموزًا مسيحية، إلى جانب مجموعة من العملات الذهبية التي تعود إلى عصر الإمبراطور البيزنطي قسطنطيوس الثاني، الذي حكم الإمبراطورية خلال الفترة من عام 337 إلى عام 361 ميلادية.


