recent
أخبار ساخنة

هندسة المواد المتقدمة : الثورة الصامتة التي تُشكّل مستقبل توطين الصناعة المستدامة

 

بقلم : د . ملك منصور

إن «الثورة الصامتة» التي تقودها هندسة المواد المتقدمة هي ذلك العلم الذي لا يراه المستهلك في واجهة المنتج، لكنه الهيكل والجسد والروح لكل صناعة حديثة. فكل قفزة صناعية وتكنولوجية نشهدها اليوم ما كانت لتغادر جدران المختبرات والمعامل لولا إعادة هندسة المواد على مستوى الذرات والجزيئات، والتحكم في بنيتها وإعادة صياغة خواصها. وهكذا تبرز هندسة المواد بوصفها البطل والجندي المجهول وراء هذا المشهد بأكمله.


وفي عالم يتسارع بخطى متلاحقة نحو التطور والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار إلى الشاشات الذكية والبرمجيات المعقدة والمركبات ذاتية القيادة، بينما تغيب عن الأذهان الشرارة الحقيقية لهذه الثورة، وهي التطور الهائل في هندسة المواد.


وقد بذل علماء هندسة المواد جهودًا كبيرة لفهم هذا العلم متعدد التخصصات، المعروف بـ هندسة المواد المتقدمة (Advanced Engineering Materials)، والذي يجمع بين الرياضيات التطبيقية والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم. ويُعد هذا المجال حلقة الوصل بين الاكتشافات العلمية والتطبيقات الصناعية؛ إذ لم يعد الباحثون يكتفون بدراسة خصائص المواد المعدنية أو البوليمرية التقليدية، بل انتقلوا إلى مرحلة تصميم وتصنيع مواد هندسية بخصائص غير مسبوقة، مثل المواد النانوية، والمواد الذكية، والمواد الحيوية والمستدامة، والمواد المركبة.


تخيل أن سُمك شعرة الإنسان يتراوح بين 50,000 و100,000 نانومتر وعندما تُفتَّت المادة إلى حجم يتراوح بين 1 و100 نانومتر، فإنها تقترب من مستوى الذرات. وعند هذا المقياس المتناهي في الصغر، تزداد مساحة سطح المادة بصورة هائلة مقارنة بحجمها، وتبدأ قوانين ميكانيكا الكم في التحكم بسلوكها بدلًا من الفيزياء التقليدية.


وتكون النتيجة ظهور مواد ذات خصائص مدهشة؛ فقد تعمل المادة موصلًا أو عازلًا للكهرباء، أو تصبح أصلب من الفولاذ، أو تكتسب خواصًا جديدة تمامًا، وهو ما يمنح مهندسي المواد القدرة على تصميم وتصنيع مواد هندسية فائقة الأداء.


وتُعرف المواد النانوية (Nanomaterials) بأنها مواد متناهية الصغر يُقاس حجمها بالنانومتر، وهو جزء من مليار جزء من المتر (1 Nanometer = 10⁻⁹ Meter). وعند هذا المستوى يمكن التحكم في البنية الداخلية للمادة فتتغير خواصها الفيزيائية والميكانيكية، لتصبح أكثر صلابة مع الحفاظ على وزنها الخفيف، مما يفتح آفاقًا واسعة لاستخدامها في هياكل الطائرات والسيارات والرقائق الإلكترونية وغيرها.


أما المواد الذكية (Smart Materials)، فتمثل ثورة في مجالات الاستشعار والطيران والفضاء، وصناعة الأجهزة والمعدات الطبية؛ إذ تمتلك القدرة على الاستشعار (Sense) للمتغيرات المحيطة والاستجابة لها تلقائيًا.

كما تؤدي المواد الحيوية والمستدامة (Eco-Friendly Biodegradable Materials) دورًا مهمًا في استبدال البلاستيك التقليدي، وابتكار «الخرسانة الخضراء (Green Concrete)»، وإنتاج مواد عازلة للحرارة تسهم في ترشيد استهلاك الطاقة وبناء المدن الذكية المستدامة.


ومع تصاعد تحديات التغير المناخي، يزداد الاهتمام بتطوير بوليمرات حيوية قابلة للتحلل الحيوي، بما يسهم في حماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.

إن هذا التنوع الكبير في المواد الهندسية المتقدمة يلفت الأنظار إلى ما تمتلكه مصر من ثروات طبيعية هائلة، مثل الرمال البيضاء والرمال السوداء والخامات التعدينية المختلفة، والتي يمكن تحويلها من مجرد مواد خام منخفضة القيمة إلى مدخلات رئيسية لصناعات متقدمة، مثل ريش توربينات الرياح، والخلايا الشمسية، وأشباه الموصلات، بما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز قدرته التنافسية وريادته الصناعية.


ومن أبرز النماذج التطبيقية في مصر مجمع مصانع الشركة المصرية للرمال السوداء بمدينة البرلس، الذي يُعد مشروعًا استراتيجيًا في مجال التعدين وهندسة المواد. وتحتوي الرمال السوداء على معادن ذات قيمة عالية، مثل الزيركون، والروتيل، والإلمنيت، والمونازيت، والجارنت، والمجنيتيت، والتي تُجرى عليها عمليات التنقية والمعالجة لتصبح مواد هندسية متقدمة تدخل في صناعات الطائرات، والصواريخ، والرقائق الإلكترونية، والسيراميك عالي الجودة، بما يحقق قيمة مضافة كبيرة بدلًا من تصديرها كمواد خام.


كما يُعد مشروع الهيدروجين الأخضر بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا آخر لتطبيقات هندسة المواد، حيث يُتوقع أن يصبح الهيدروجين وقود المستقبل النظيف. إلا أن تخزينه ونقله يواجهان تحديات هندسية؛ نظرًا لصغر حجم جزيئاته وقدرتها على النفاذ عبر المعادن التقليدية، مما يؤدي إلى تآكلها.


وهنا يأتي الدور المحوري لهندسة المواد، من خلال تطوير أغشية تبادل البروتونات (PEM) المستخدمة في أجهزة التحليل الكهربائي، إلى جانب تصميم سبائك وطلاءات نانوية متطورة لتبطين الخزانات وخطوط الأنابيب بما يضمن أعلى مستويات الأمان والكفاءة والاستدامة.

ختامًا، فإن معركة توطين الصناعة المستدامة في مصر لا تُحسم بمجرد زيادة عدد المصانع أو الشركات، وإنما بقدرتنا على تطوير وتوطين تكنولوجيا هندسة المواد المتقدمة محليًا، وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والإنتاج.


إن امتلاك تكنولوجيا هندسة المواد يعني امتلاك مفاتيح السيادة الصناعية والأمن القومي في عالم المستقبل. ومصر، بما تمتلكه من علماء وباحثين وكفاءات، مؤهلة لقيادة هذه الثورة العلمية الصامتة، وتحويل التحديات البيئية والاقتصادية إلى فرص استثمارية واعدة، وصناعة مستقبل صناعي أخضر ومستدام يليق بطموحاتها وتطلعاتها.

google-playkhamsatmostaqltradentX