recent
أخبار ساخنة

الاستحقاقية


 

بقلم : د. بنان مجدي

لاحظتُ في الآونة الأخيرة أنَّ شعور الاستحقاقية يتفاقم لدى بعض الأشخاص، وقد يتحول في بعض الأحيان إلى حالة مرضية، وينتشر في مختلف العلاقات، سواء كانت علاقة زوجية، أو علاقة عمل، أو صداقة، وغيرها.

والاستحقاقية هي شعور داخلي لدى الشخص بأنه يستحق أشياء معينة لمجرد وجوده، دون أن يبذل أي جهد أو يتحمل عناءً من أجل الحصول عليها.



وتتجلى الاستحقاقية بوضوح في العلاقة الزوجية؛ فنرى الزوج يشعر بأن من حقه أن ينعم بالرفاهية والراحة التامة داخل المنزل، دون أن يشارك في أي من المهام المنزلية، بما في ذلك تلبية احتياجات الأسرة أو المساهمة في تربية الأبناء. وغالبًا ما يُلقي باللوم على الزوجة عند حدوث أي تقصير، سواء داخل المنزل أو فيما يتعلق بالمستوى الدراسي أو السلوك الأخلاقي للأبناء.

فأين دورك، أيها الزوج، في تربية الأبناء وتوجيههم؟ ولماذا تُوجَّه أصابع الاتهام دائمًا نحو الزوجة، بينما لا تؤدي أنت دورك على النحو المطلوب؟

ومن ناحية أخرى، قد ترى الزوجة أن من حقها أن يوفر لها الزوج حياة مادية ومعنوية مترفة، حتى وإن كان يتحمل الكثير من ضغوط الحياة وأعبائها. وقد تعتبر أي تقصير من جانبه في الجانب الترفيهي خطأً لا يُغتفر فتقابله بالإهمال أو الهجوم بالكلمات، أو بالحديث عنه بصورة سلبية أمام الأقارب والأصدقاء.

فأين المودة والرحمة، أيتها الزوجة؟ ولماذا لا تُقدّرين تعب زوجك وانشغاله وسعيه الدائم لتوفير حياة كريمة لكم؟

أما في بيئة العمل، فحدِّث ولا حرج؛ إذ يشعر بعض الأفراد بأن لهم الحق الكامل في الحصول على الإجازات والراحة، دون النظر إلى زملائهم أو مراعاة احتياجاتهم وظروفهم.

وفي الصداقات، نجد بعض الأشخاص يشعرون بأنهم يستحقون اهتمام الجميع وسؤالهم الدائم عنهم، وأن على الآخرين تفهُّم ظروفهم ومراعاتها، وكأنهم وحدهم من يواجهون ظروفًا أو تحديات في هذه الحياة، دون أن يُلزموا أنفسهم بأي واجبات تجاه أصدقائهم، كالسؤال والاهتمام والمساندة.

نحن نعيش حياةً أساسها المشاركة في كل شيء، ولا بد أن نتحمل بعضنا بعضًا، ونتجاوز عن بعض الأخطاء، حتى تدوم المحبة بيننا.

فالحياة قائمة على الأخذ والعطاء، وليست قائمة على الأخذ فقط.

وكما أحاسب الناس على تقصيرهم في حقي، لا بد أن أقف مع نفسي أيضًا، وأحاسبها على ما قد يصدر منها من تقصير في حق الآخرين.



ومن الضروري أن نفرق جيدًا بين الاستحقاقية والثقة بالنفس؛ فبينهما فروق واضحة. فالشخص الذي يشعر بالاستحقاقية يرى أن جهده أهم من جهود الآخرين، وأنه الأحق دائمًا بما يريد، وقد يعتبر الرفض إهانة شخصية. أما الشخص الواثق من نفسه، فيحترم جهود الآخرين 

ويتقبل الرفض، ويتعلم منه، ويسعى إلى تطوير ذاته.

كما يجب أن نركز في تربية أبنائنا على تهذيب هذه الفكرة، حتى نحصد أجيالًا سوية قادرة على بناء حياة ومستقبل أفضل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اتباع أسلوب الثواب والعقاب، وتعليمهم الامتنان للنعم والأشياء التي يمتلكونها، والتركيز عليها بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصهم.

وعلينا أيضًا أن نُعلِّم أبناءنا أن كلمة «لا» كلمة طبيعية وأن رفض بعض الطلبات لا يعني قلة الحب أو الإهانة

 بل قد يكون وسيلة للتوجيه، وبناء شخصية متوازنة قادرة على تحمل المسؤولية واحترام حقوق الآخرين.

فالتوازن في الحياة لا يتحقق بما نأخذه فقط، بل بما نقدمه أيضًا، وبقدرتنا على تقدير الآخرين ومراعاة مشاعرهم وظروفهم.

google-playkhamsatmostaqltradentX