recent
أخبار ساخنة

دمياط... عندما اختُبرت الدولة فنجح الوطن

 

  ما وراء المشهد 


بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي 

في لحظات التوتر الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل: كيف تعاملت الدولة مع ما حدث؟ لأن الحوادث، مهما بلغت خطورتها، قد تقع في أي مكان في العالم، لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الدولة على استيعاب الصدمة، واحتواء آثارها، وإثبات أن مؤسساتها تعمل بكفاءة وثقة، مهما كانت طبيعة التحديات.

لقد جاء ما شهده ميناء دمياط ليضع الدولة المصرية أمام اختبار جديد، في توقيت إقليمي شديد الحساسية، حيث تتداخل الأزمات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية وتتقاطع خطوط الملاحة الدولية مع خرائط الصراع في الشرق الأوسط. وفي مثل هذه البيئة، يصبح أي حادث يقع داخل منشأة استراتيجية أكبر من مجرد واقعة عابرة؛ لأنه يمس إحدى ركائز الأمن القومي المصري.




فميناء دمياط ليس مجرد ميناء تجاري، بل يمثل إحدى البوابات الاقتصادية المهمة للدولة المصرية، ونقطة ارتكاز رئيسية في حركة التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية. ومن ثم، فإن أي محاولة للمساس به تحمل رسالة تتجاوز حدود المكان، وتسعى إلى اختبار قدرة الدولة على حماية مقدراتها والحفاظ على استقرارها.


غير أن الرسالة المقابلة التي خرجت من مصر كانت أكثر وضوحًا وقوة. فلم يكن الرد مجرد تصريحات، بل تجسد في سرعة التعامل مع الموقف، والسيطرة عليه، ومنع امتداد آثاره، واستمرار عمل الميناء، وعدم السماح بتحول الحادث إلى أزمة اقتصادية أو نفسية.



وهنا تتجلى قيمة الدولة الحديثة؛ فالقوة لا تعني فقط امتلاك السلاح، وإنما تعني أيضًا امتلاك مؤسسات تعرف كيف تتحرك، وكيف تتخذ القرار في اللحظة المناسبة.


لقد أدركت القيادة السياسية المصرية، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ سنوات، أن المنطقة تتجه إلى مرحلة تختلف عما سبقها؛ مرحلة تتراجع فيها الحروب التقليدية، وتتزايد فيها التهديدات غير النمطية التي تستهدف الاقتصاد، والبنية التحتية، والمرافق الحيوية.



لذلك، لم يكن تطوير القوات المسلحة، وتحديث منظومات الدفاع، وإنشاء القواعد الاستراتيجية، وتوسيع شبكة الموانئ، وتعزيز قدرات الدولة في مجالات الرصد والتأمين، مجرد مشروعات تنموية أو عسكرية منفصلة بل كانت جميعها أجزاءً من رؤية متكاملة لبناء دولة قادرة على مواجهة المستقبل.


وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للقوات المسلحة المصرية، التي لم تكن يومًا مؤسسة لحماية الحدود فقط بل كانت، وما تزال، الركيزة الأساسية في حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل.




فالجيش المصري، بعقيدته الوطنية الراسخة، يمثل مصدر اطمئنان لكل مواطن، لأنه يعمل وفق منظومة احترافية تراكمت عبر عقود طويلة من الخبرة والتطوير، وأثبتت قدرتها على التعامل مع مختلف صور التهديد والتحديات.

وإذا كان هناك درس ينبغي استخلاصه من حادث دمياط فهو أن استهداف المنشآت الحيوية أصبح أحد أساليب الصراعات الحديثة، وأن المواجهة لم تعد تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل امتدت إلى الموانئ، وشبكات الطاقة، والممرات البحرية، وحتى الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام.


ولهذا، فإن الحفاظ على جاهزية الدولة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة وجودية.

كما كشفت الواقعة عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن الحرب النفسية تسير جنبًا إلى جنب مع أي حدث ميداني. 

فهناك من يسعى إلى تضخيم الوقائع، أو استغلالها لإثارة القلق، وبث الشائعات، والتشكيك في مؤسسات الدولة.

إلا أن التجربة المصرية أثبتت أن الشفافية في عرض المعلومات، وسرعة التحرك، واستمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها، تمثل أدوات فعالة في مواجهة هذا النوع من الحروب.



إن دعم الدولة المصرية في مثل هذه الظروف لا ينبع من الانفعال، وإنما من إدراك أن استقرار الوطن هو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية، والاقتصاد، ومستقبل الأجيال.

كما أن الوقوف خلف القوات المسلحة ومؤسسات الدولة ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل هو إيمان بالدور الذي تقوم به هذه المؤسسات في حماية مقدرات الشعب المصري، وسط إقليم يموج بالتحديات والأزمات.

لقد مرت مصر، عبر تاريخها، بمحطات أكثر صعوبة

 وكانت في كل مرة تخرج أكثر قوة وصلابة؛ لأن هذا الوطن يمتلك مؤسسات تعرف معنى المسؤولية، وشعبًا يدرك قيمة الاستقرار، وقيادة سياسية جعلت من بناء الدولة هدفًا استراتيجيًا لا يخضع لتقلبات اللحظة.


ويبقى حادث دمياط رسالة مزدوجة؛ رسالة إلى كل من يظن أن استهداف منشأة حيوية يمكن أن يهز أركان الدولة، ورسالة إلى المصريين أنفسهم بأن قوة مصر لا تكمن فقط في جيشها، رغم عظمته، ولا في مؤسساتها رغم كفاءتها، وإنما في وحدة هذه العناصر جميعًا خلف هدف واحد:

أن تظل مصر آمنة، مستقرة، وقادرة على حماية أرضها ومقدراتها، مهما تعاظمت التحديات.

وهكذا، لم يكن المشهد في دمياط مشهد أزمة بقدر ما كان مشهد دولة أثبتت أن الاستثمار في بناء القوة

 وتعزيز مؤسساتها، وتحديث قدراتها، لم يكن ترفًا سياسيًا، بل كان رؤية استباقية أثبتت الأيام أنها كانت الخيار الصحيح.

google-playkhamsatmostaqltradentX