الشخص العظيم من يقرّب إليه العظماء، نصائح
(اختوى الرابع) لإبنه
كتب - د . عبد الرحيم ريحان
على هامش اكتشاف إهناسيا نرصد أدبيات ارتبطت بتاريــــخ العصر الاهناســــى الأسرتين التاسعة والعاشرة وهى وصية (اختوى الرابع) لابنه ( مريكارع ) المعروفـــة باسم نصائح مريكارع.
أوضح الدكتور محمد إبراهيم مدير عام منطقة آثار بني سويف لحملة الدفاع عن الحضارة أن هذه الوصية من أهم المصادر التى توضح الحالة التى وصلت إليها مصر فى أواخر العصر الاهناسى وهى من القطع الأدبية الجميلة فى أسلوبها وجمال معانيها وتوجد هذه النصائح على بردية موجودة بمتحف الارمتاج بلننجراد وأول من نشر هذه البردية هو العالم الروسى( جولينشوف) فى عام 1913 وظهرت لها ترجمات كثيرة بلغات مختلفة فى عام 1936 بمعرفة العالم (شارف) .
ويضيف الدكتور محمد إبراهيم بأن البردية تتضمن نصائح أدبية وعسكريــة ودينية من حاكم إلى ولى عهده وقد حاول
( اختوى) أن يعطى خلاصة تجاربه لابنه حتى لايقع فى ماوقع فيه من أخطاء ويبــدأ حديثه بأن يكن مقنعًا فى الحديث لان اللسان كالسيف للإنسان وينصحه بأن ينهج سبيل أبائه وأجداده وأن يكثر من قراءه ماخلفـوه من كتب الحكمة ولايفعل الشر وأن يتحلى بالصبر ويحــذره من الطمع، وينصحه بأن يعتنى بتثبيت حدوده وأن يعلى من شأن رجاله ويقول " ما أعظم الشخص العظيم عندما يكون رجاله المقربون إليه عظماء وما أعظم وأقوى الذى يكون له نبــلاء كثيرون ".
كما ينصح ابنه باتباع عادة الحق واقامة العدل ويحذره من ظلم الأرملة وأن لايحرم شخصًا من ثروة أبيه وألا يطرد الموظفين من وظائفهم ثم يوصيه وصيــة حازمة بقوله
(حاذر من أن تعاقب الناس دون أخطاء جنوها) لاتقتل لأن ذلك لايجديك شيئًا ولكن عاقب بالضرب والاعتقال فتصلح الأمور فى البلاد.
ويشير ( اختوى) إلى الشباب فينصح ابنه بالعناية بالشباب وتقريبهم منه وأن يمنحهم الحقوق ويعطيهم الماشية ولكنه يحذر بشده أن يميز ابن شخص غنى على ابن شخص فقير بل يجب أن يقدر كل إنسان حسب كفاءته الشخصية ويوصيه من الإكثار من إقامة المنشات الدينية وتقديم القرابين ويحدثه عن ماكان حادثًا فى مصر من انقسام فيقول أنه لايخلو أحد من وجود أعداء له وأن الأعداء داخل مصر لايهدأون ثم يشفع له ذلك بقوله أن القدماء قد تنبأوا بأن جيلاً سيظلم آخر وأن مصر ستحارب فى الجبانة وتهدم القبور لقد فعلت ذلك وأخشى مايصيب من يعصى الله .
وينصحه بأن يحسن علاقته بالجنوب واذا لم تأت منهم جزية فيكفيه صداقتهم ونصحه بأن يكتفى بما لديه من خبز وجعة ويقول لابنه إن الجرانيت يمكن الحصول عليه دون عائق ويحذره من الاعتداء على آثار الآخرين وأنه يجب الحصول على ما يلزمه من أحجار محاجر طرة لبناء قبره وأن يأخذ أحجـــار مما تخــــرب من قبور الناس.
ويذكره بأن لا ينسى آخرته وأن يعمل لليوم الآخر وأن يذكر دائمًا نعم الله عليه ويقـول ( أنه هو الذى خلق أنفاس الحياة لخياشيهم ـ أى الناس ـ وأولئك الذين خرجوا من صلبه ليسوا إلا صورًا له ، أنه يشرق فى السماء ليلبى رغبتهم، وأنه خلق لهم النباتات والحيوانات والطيور والأسمـاك ليقتاتوا) وما أجمل قوله " إن الله يقبل الرجل المستقيم الضمير أكثر من قبوله للثور الذى يقدمه الشرير كقربان للالهة " وما أصدق عبارته التى يشير فيها إلى أن الله يوقع عقابه على بعض الناس لمصلحتهم أنه ـ أى الله ـ يقضى على من يملاء الشر قلبه بينهم ـ أى الناس ـ كما يضرب الأب ابنه اكرامًا لأخيه لأن الله يعرف كل انسان.
وينوه الدكتور محمد إبراهيم إلى مدلولات هذه النصائح بأنها أمدتنا بمدى التواضع الشديد فلم يعد الملك ذلك الإله المرتفع الجبار للحاكم فوق البشر الذى يرجو جميع البشر عطفه ورضاءه ليصيبهم بشىء من إحسانه فى الدنيا والآخرة بل أصبح شخصًا يتحدث عن ضعفه ويردد عبارات ندمه كسائر البشر وأن سعادة الإنسان فى آخرته التى تتوقف على عمله فى الدنيا ولاتتوقف عن إرضاء الملك وأن كل امرىء مهما كان مركزه سيحاسب على أعماله أمام محكمة الآلهة وأن السعادة فى الآخرة لم تعد تتوقف على قبر بنى أو قرابين تقدم بانتظام ولكن الله يعرف ما فى القلوب ويطلب من عباده أن يحسنوا نياتهم ويذرون وراءهم الطمع والشر لأن النية الحسنة هى التى يقبلها الله وهى أقرب إلى قلبه من القرابين التى يقدمها المذنبون ليكّفروا بها عما افترفوه من ذنوب وهى تبين لغة مزدهرة وأدبًا رفيعًا احتوى على آراء ناضجة وأهداف محددة فى بلد فجر الضمير.

