recent
أخبار ساخنة

المخرج المسرحي السيد حافظ | يكتب سرد بلا ضفاف | عبد الفتاح البارودي وفهمي الخولي ونجوى سالم... التي غدرت بها الأيام

سرد بلا ضفاف : عبد الفتاح البارودي وفهمي الخولي ونجوى سالم... التي غدرت بها الأيام





  سرد بلا ضفاف

بقلم : السيد حافظ 
كاتب صحفي وروائي ومخرج مسرحي

من «كبرياء التفاهة» إلى «سلك مقطوع»
في ديسمبر عام 1970، نزلتُ من الغرفة التي كنت أسكنها في حي المنيرة بالقاهرة، وأنا طالب بكلية دار العلوم أحمل نسختين من مسرحيتي القصيرة «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى». كنت متوجهاً إلى مؤسسة أخبار اليوم لأقدمها إلى الناقد الكبير عبد الفتاح البارودي.


كان عبد الفتاح البارودي يومها واحداً من أبرز كتاب الصحافة الثقافية والنقد الفني في مصر. وُلد في الزقازيق عام 1913، وانتقل مع أسرته إلى القاهرة، حيث تلقى تعليمه الأول في كُتّاب السيدة زينب وحفظ القرآن الكريم، ثم تخرج في المدرسة الخديوية عام 1930.

 وبعد ذلك اتجه إلى دراسة النقد الأدبي والتمثيل، وبرز اسمه من خلال كتاباته في مجلتي «الثقافة» و«الرسالة» حتى لفتت كتاباته نظر كامل الشناوي الذي اختاره للمشاركة في تأسيس جريدة «الأخبار» التابعة لمؤسسة أخبار اليوم.

وبفضل حضوره الثقافي الواسع، أصبح واحداً من أبرز الأصوات التي رسخت تقاليد النقد الفني الصحفي في مصر، ولا سيما في المسرح والسينما. وكان يكتب مقالاً يومياً في «أخبار اليوم»، ويتمتع بحضور واسع وتأثير كبير في الحياة الثقافية المصرية.

وكانت مصر قد دخلت مرحلة جديدة بعد رحيل جمال عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكم، وهي مرحلة شهدت تحولات سياسية وفكرية عميقة، وانقساماً حاداً بين اليمين واليسار.

قدمت له المسرحية وعدت أنتظر. وبعد يومين فوجئت بمقال شديد القسوة يهاجم العمل، ويتساءل: ما معنى المسرح التجريبي؟ وما معنى «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى»؟ وراح يستعرض معرفته بالمسرح العالمي مؤكداً أنه لم يفهم ما أقصده من هذه المسرحية الصغيرة التي لم تتجاوز ست عشرة صفحة.

شعرت يومها بالفرح والإحباط معاً؛ فرحت لأن ناقداً بحجم عبد الفتاح البارودي قرأ عملي وكتب عنه وأحبطني أنه لم يفهم ما أردت قوله. لكنني أدركت فيما بعد أن الهجوم أحياناً يكون شكلاً آخر من أشكال الاعتراف.



بعد فترة التقيته في دار الأدباء بشارع قصر العيني. صافحني وسألني:
— أنت السيد حافظ؟
قلت: نعم.
فقال مبتسماً:
— آه... بتاع المسرح التجريبي!
ثم سأل ضاحكاً:
— فين المسرح ده؟
قلت:
— سنقدمه قريباً في الإسكندرية.
وضحك وانتهى اللقاء.
مرت السنوات، وأصبح عبد الفتاح البارودي مسؤولاً عن القسم المسرحي في مجلة «السينما والمسرح». كنت أرسل إليه مقالاتي بين الحين والآخر، وكان ينشر بعضها. 
وكنت أنتظر مكافأة قدرها أربعة جنيهات، لكنها بالنسبة لشاب في بداية حياته كانت تعني الكثير، وتكفي مصروف عدة أيام.


المخرج الكبير فهمي الخولي

وفي صيف عام 1976 التقيته مرة أخرى في الإسكندرية أمام مسرح بيرم التونسي المطل على البحر بمنطقة الشاطبي. كان المكان يعج بالمصطافين والفنانين والعشاق والحالمين. وكانت تُعرض يومها مسرحية «سلك مقطوع» من إخراج صديقي المخرج الكبير فهمي الخولي الذي كان آنذاك لا يزال في بدايات شبابه الفني.
وأنا أعرف فهمي الخولي منذ عام 1964، منذ أيام النشاط الطلابي والمؤتمرات الثقافية في محافظة البحيرة، في عهد وجيه أباظة محافظاً للإقليم.
 كان مخرجاً مجتهداً يمتلك حساً مسرحياً خاصاً، وإنساناً بسيطاً ومبتسماً رغم صرامته الإدارية المعروفة.
وهناك التقيت أيضاً جميل برسوم وإبراهيم عبد الرازق وكانت أياماً عامرة بالحلم والثقافة والعمل المسرحي.


المخرج المسرحي السيد حافظ

دخلت مع عبد الفتاح البارودي إلى صالة المسرح، وجلسنا في الصف الأول. 
تابعنا العرض، وفي الاستراحة طلب لي كوباً من الشاي ثم التفت إليّ مبتسماً وقال:
— على فكرة... أنا بحب نجوى سالم.
فابتسمت وقلت:
— يا أستاذ، ومن في مصر لا يحب نجوى سالم؟
فهمت الرسالة دون أن يصرح بها.
ولم يكن ارتباط عبد الفتاح البارودي بـ نجوى سالم مجرد إعجاب بفنانة كبيرة، بل كان ارتباطاً إنسانياً وفنياً وثيقاً فقد جمع بينهما الزواج، ووضعه ذلك في قلب الحياة المسرحية المصرية، وجعله أقرب إلى تفاصيلها اليومية وهموم الفنانين وقضايا المسرح.

ولم يكن حب عبد الفتاح البارودي لنجوى سالم أمراً عابراً. فقد كانت واحدة من أشهر نجمات الكوميديا المصرية وأكثرهن حضوراً على المسرح. وُلدت عام 1925 باسم نظيرة موسى شحاتة شالوم، وتتلمذت فنياً في مدرسة نجيب الريحاني قبل أن تصبح إحدى أبرز نجمات المسرح الكوميدي في مصر.




امتلكت موهبة خاصة في الجمع بين خفة الظل والقدرة على مخاطبة الجمهور، وشاركت في عشرات المسرحيات والأفلام التي جعلتها وجهاً محبباً لدى المصريين.
 كما أسست عام 1970 فرقة المسرح الساخر في محاولة لتقديم كوميديا تحمل بعداً اجتماعياً ونقدياً.
لذلك أدركت يومها أن عبارته القصيرة: 
«أنا بحب نجوى سالم» لم تكن مجرد إعجاب بفنانة جميلة وموهوبة، بل كانت أيضاً دفاعاً رقيقاً عن شريكة حياته وفنانة يؤمن بموهبتها.
والحق أن المسرحية كانت جيدة، وأن فهمي الخولي قدم عرضاً خفيفاً وظريفاً، فيه روح المسرح الشعبي المصري وبساطته، ذلك المسرح الذي كان نجيب الريحاني يصفه بأنه «بطعم الملوخية والطعمية»، قريباً من الناس ومن حياتهم اليومية.

وكانت نجوى سالم في قمة تألقها، تمتلك حضوراً آسراً وقدرة نادرة على الإمساك بخيوط التواصل مع الجمهور منذ اللحظة الأولى وحتى إسدال الستار. وكانت فنانة جميلة ونجمة تعرف جيداً كيف تملأ خشبة المسرح بالحياة.
بعد انتهاء العرض قال لي عبد الفتاح البارودي:
— اكتب عن المسرحية وسلمني المقال غداً.
كانت تلك لحظة خاصة في حياتي. للمرة الأولى شعرت أنني أمارس العمل الصحفي المسرحي بصورة حقيقية وأن مسؤولاً عن قسم مسرحي في مجلة مهمة يكلفني شخصياً بكتابة مادة للنشر.
عدت إلى البيت وكتبت المقال طوال الليل، ثم سلمته في الموعد المحدد. وعندما نُشر شعرت بسعادة كبيرة، ليس فقط بسبب المكافأة التي بلغت أربعة جنيهات، بل لأنني شعرت أنني أصبحت جزءاً من الوسط الثقافي الذي كنت أحلم بالانتماء إليه.
وفي العام نفسه كان القدر يهيئ لي رحلة أخرى، هي السفر إلى الكويت، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتي.
ورغم اختلافي الفكري مع عبد الفتاح البارودي، فإنه لم يغلق الأبواب في وجهي يوماً. ظل مشغولاً بمعاركه الفكرية والسياسية، وظل يسألني كلما التقينا:
إيه أخبار المسرح التجريبي؟
وكان يقولها دائماً بابتسامة لا تخلو من السخرية والمودة معاً.



ومن أشهر المقالات التي نشرتها في تلك الفترة مقال كتبته عن عرض «هاملت» الذي قدمه محمد صبحي. كنت أرى وقتها أن الدور الشكسبيري لا يناسب إمكاناته الفنية فكتبت نقداً حاداً للعرض. وبعدها بشهر كتب الناقد الشاب آنذاك عطية العقاد مقالاً يرد فيه عليّ متسائلاً: من أنت حتى تهاجم شكسبير ومحمد صبحي؟
كانت تلك هي طبيعة الحياة الثقافية في ذلك الزمن؛ معارك نقدية وفكرية لا تنتهي، لكنها كانت معارك تُخاض بالكلمة لا بشيء آخر.
مرت السنوات، ورحل كثير ممن صنعوا تلك المرحلة. رحل عبد الفتاح البارودي عام 1996 بعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن في الصحافة والنقد الثقافي والفني كان خلالها واحداً من أبناء الجيل الذي أسهم في تأسيس النقد الفني الصحفي الحديث في مصر. 


عبد الفتاح البارودي ونجوى سالم

كما رحلت نجوى سالم عام 1988 بعد رحلة فنية طويلة تركت خلالها أثراً لا يُنسى في المسرح والسينما والتلفزيون المصري، ورحل كثيرون من أبناء ذلك الجيل، وبقيت الذكريات.
أستعيد اليوم صورته وهو يجلس إلى جواري في مسرح بيرم التونسي، يطلب الشاي ويبتسم قائلاً: «أنا بحب نجوى سالم»، ثم يسألني بعد سنوات من الهجوم على أول مسرحياتي:
 إيه أخبار المسرح التجريبي؟
وأدرك أن الزمن، مهما مضى، لا يمحو تفاصيل البدايات الأولى، ولا الوجوه التي تركت بصمتها في رحلة الكاتب وهو يشق طريقه وسط الحياة والثقافة والأحلام.
google-playkhamsatmostaqltradentX