ما وراء المشهد : من يكتب التاريخ في عصر الإنترنت؟
ما وراء المشهد
بقلم : دكتورة إيناس عمر الصاوي
مدير عام التبادل الثقافي والنشر الأجنبي والترجمة
كيف تؤثر المنصات الرقمية على تشكيل الذاكرة الجماعية للأمم؟
لطالما كان التاريخ نتاجًا لما يكتبه المنتصرون، وما تحفظه الوثائق الرسمية، وما تتناقله الأجيال من روايات وأحداث. لكن مع ظهور الإنترنت وثورة التواصل الرقمي تغيرت قواعد اللعبة بصورة غير مسبوقة. فلم يعد المؤرخ وحده هو من يسجل الأحداث، ولم تعد المؤسسات الرسمية هي المصدر الوحيد للذاكرة الجماعية، بل أصبح ملايين المستخدمين حول العالم يشاركون يوميًا في صناعة سردية جديدة للتاريخ.
في الماضي، كانت عملية توثيق الأحداث تمر عبر مراحل طويلة من التحقق والمراجعة والنشر، أما اليوم فإن حدثًا واحدًا قد يُوثق في لحظته عبر آلاف الهواتف المحمولة وملايين المنشورات والتعليقات ومقاطع الفيديو. وبذلك تحولت المنصات الرقمية إلى أرشيف عالمي ضخم يحفظ تفاصيل الحياة اليومية والأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية لحظة وقوعها.
لكن هذه الوفرة الهائلة في المعلومات تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: هل ما يُحفظ على الإنترنت يمثل الحقيقة الكاملة؟ أم أنه مجرد نسخة منقوصة أو منحازة من الواقع؟
لقد أصبحت خوارزميات المنصات الرقمية لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الذاكرة الجماعية. فهي التي تحدد ما يظهر للمستخدم وما يختفي، وما ينتشر على نطاق واسع وما يبقى حبيس الزوايا المظلمة للشبكة. وبهذا المعنى، لم تعد الذاكرة الجماعية تُبنى فقط عبر الأحداث نفسها، بل عبر الطريقة التي تُعرض بها هذه الأحداث للجمهور.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للصراع السياسي والإعلامي. فكل طرف يسعى إلى تقديم روايته الخاصة للأحداث، مستخدمًا الصور والمقاطع المصورة والشهادات الرقمية لإقناع الجمهور بصحة موقفه. وفي كثير من الأحيان، تصبح المعركة الحقيقية ليست حول ما حدث، بل حول كيفية تذكره مستقبلاً.
كما أن ظاهرة الأخبار المضللة والتلاعب بالمحتوى الرقمي تمثل تحديًا جديدًا أمام كتابة التاريخ.
فالمعلومات الخاطئة قد تنتشر بسرعة تفوق الحقائق وقد تترسخ في أذهان الملايين قبل أن يتم تصحيحها.
ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنشاء الصور والفيديوهات المزيفة، يزداد التحدي تعقيدًا، إذ يصبح التمييز بين الحقيقة والتزييف أكثر صعوبة.
وفي المقابل، قدم الإنترنت فرصًا غير مسبوقة لحفظ الذاكرة الإنسانية. فقد أصبح بإمكان الأفراد والشعوب توثيق قصصهم وتجاربهم بعيدًا عن احتكار المؤسسات الكبرى للسرد التاريخي. وأصبحت أصوات الفئات المهمشة والمجتمعات الصغيرة تجد طريقها إلى الأرشيف العالمي، مما يساهم في تقديم صورة أكثر تنوعًا وثراءً عن الماضي والحاضر.
إن التاريخ في عصر الإنترنت لم يعد كتابًا مغلقًا تكتبه النخب وحدها، بل أصبح مشروعًا جماعيًا يشارك فيه الجميع. غير أن هذه المشاركة الواسعة لا تعني بالضرورة اقترابًا أكبر من الحقيقة، بل تفرض مسؤولية مضاعفة في التحقق والتدقيق والنقد.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت الأجيال السابقة اعتمدت على المؤرخين لفهم الماضي، فهل ستعتمد الأجيال القادمة على الخوارزميات؟ وهل ستصبح المنصات الرقمية هي المؤرخ الأكبر في القرن الحادي والعشرين، أم أن الإنسان سيظل قادرًا على حماية الحقيقة من الضياع وسط هذا الطوفان الهائل
من المعلومات؟
إن معركة المستقبل قد لا تكون فقط على الأرض أو في الاقتصاد أو السياسة، بل على الذاكرة نفسها؛ لأن من يملك القدرة على تشكيل الذاكرة الجماعية، يملك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل المستقبل.



