recent
أخبار ساخنة

بين تكتيكية الثعلب واستراتيجية القنفذ.. الصين وأمريكا في معركة اقتصاد المعرفة

بين تكتيكية الثعلب واستراتيجية القنفذ.. الصين وأمريكا في معركة اقتصاد المعرفة




بقلم : د. فهيم غنيم

كاتب وباحث اقتصادي

في ظل التنافس الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، تبدو السياسات التجارية والضريبية وكأنها مجرد إجراءات مالية أو أدوات لحماية الأسواق المحلية. لكن عند النظر بعمق إلى المشهد، نجد أن ما يحدث يعكس اختلافًا جوهريًا في فلسفة إدارة القوة الاقتصادية، وهو ما يمكن تفسيره من خلال مفهوم "تكتيكية الثعلب واستراتيجية القنفذ".


فالصين، التي تسعى منذ عقود إلى ترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية وتكنولوجية عالمية، تبنت استراتيجية واضحة تشبه "القنفذ"؛ إذ يتمثل هدفها المركزي في التحول إلى مركز عالمي للإنتاج المتقدم والتكنولوجيا والابتكار، وجعل الاقتصاد الصيني محورًا رئيسيًا في سلاسل القيمة العالمية.


أما الوسائل المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، فتشبه إلى حد كبير "تكتيكية الثعلب"، حيث تعتمد بكين على حزمة واسعة ومتغيرة من الأدوات تشمل الحوافز الضريبية، ودعم الصناعة، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع الشراكات التجارية.


ومن هذا المنطلق، يمكن فهم توجه الصين نحو تقديم مزايا وتسهيلات للشركاء التجاريين والمستثمرين، وخفض الأعباء الضريبية في بعض القطاعات أو المناطق الاقتصادية الخاصة، بهدف جذب المزيد من الاستثمارات وربط اقتصادات الدول الأخرى بالسوق الصينية. فكلما ازدادت استفادة الشركات والدول من التعامل مع الصين، أصبحت أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الصيني، وأكثر حرصًا على استمرار العلاقات التجارية معه.


في المقابل، تتجه الولايات المتحدة، في كثير من الأحيان، إلى استخدام الرسوم الجمركية والقيود التجارية، ورفع تكلفة دخول بعض المنتجات الأجنبية إلى السوق الأمريكية، خاصة عندما ترى أن هناك تهديدًا للصناعة المحلية أو للأمن الاقتصادي والتكنولوجي. وتقوم هذه السياسة على فكرة إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على المنافسين الخارجيين، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.


الفرق بين المدرسة الصينية والأمريكية

يظهر الفرق بين المدرستين بوضوح؛ فالصين تحاول جذب العالم إلى اقتصادها من خلال توسيع دائرة المنافع الاقتصادية المشتركة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية بما يحافظ على تفوقها التكنولوجي والصناعي.


فالصين تستخدم سياسة "الاحتواء بالجاذبية الاقتصادية"، في حين تستخدم أمريكا سياسة "الحماية الانتقائية" للحفاظ على ريادتها.


لكن من الواضح أن الطرفين يسعيان، في نهاية المطاف، إلى الهدف ذاته وهو السيطرة على مفاصل اقتصاد المعرفة العالمي. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور حول السلع التقليدية أو المواد الخام، بل حول التكنولوجيا والبيانات والبحث العلمي والابتكار.


ومن ثم، فإن الرسوم الجمركية والحوافز الضريبية ليست سوى أدوات في صراع أكبر حول من يقود الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.


ومن منظور اقتصاد المعرفة، فإن الدول التي تنجح في جذب العقول والمواهب والاستثمارات التكنولوجية ستكون صاحبة اليد العليا، بغض النظر عن حجم التعريفات الجمركية أو الإعفاءات الضريبية. فالقيمة الاقتصادية الحديثة لم تعد تُخلق في المصانع فقط، بل في مراكز الأبحاث، والجامعات والشركات الناشئة، ومنصات الذكاء الاصطناعي.


لذلك، يمكن القول إن الصين تتصرف بعقلية "القنفذ" التي تركز على هدف استراتيجي طويل الأجل يتمثل في بناء منظومة معرفية وصناعية عالمية بينما تستخدم تكتيكات الثعلب لتوسيع نفوذها التجاري. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى حماية مركزها القيادي في اقتصاد المعرفة من خلال مزيج من السياسات الحمائية والاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا المتقدمة.

خلاصة القول

قد يبدو الخلاف بين خفض الضرائب من جانب ورفع الرسوم من جانب آخر مجرد اختلاف في الأدوات، لكنه في الحقيقة يعكس صراعًا أعمق على قيادة الاقتصاد العالمي. إنها منافسة بين قوتين تدركان أن الثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لا تكمن في النفط أو المعادن أو المصانع التقليدية بل في المعرفة والابتكار والقدرة على تحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

حفظ الله مصر، وجعل المعرفة قاطرة تنميتها، والازدهار عنوان مستقبلها. 

google-playkhamsatmostaqltradentX